رؤية فيشر للمنطقة

تم نشره في الأربعاء 5 آذار / مارس 2008. 02:00 صباحاً

في لقاء حواري مع وزير الخارجية ونائب المستشار الالماني الاسبق ورئيس حزب الخضر، السيد يوشكا فيشر، استعرض السياسي الاوروبي المخضرم عددا من الافكار التي القت الضوء على رؤياه لإقليمنا المضطرب.

الجزء المختص بالعراق كان لافتاً في حديث فيشر، عندما اكد على قناعته ان قرار الحرب كان خطأ، متسرعا، وغير محسوب العواقب، مؤكدا انه لفت انتباه الادارة الاميركية لبعض ما يحدث الآن متنبئا بحدوثه سلفا، ولكنه لم يحصل على اية اجوبة، بل ان القناعة لديه ان واشنطن لم تكن بمزاج الاستماع لأي تحليل او نصيحة تخرج عن قناعاتها التي تبلورت بضرورات الحرب على العراق. وبتقديره ان الاخفاق الاهم كان عدم القدرة على التنبؤ بالسلوك الايراني الذي سوف يتحرك بفراغ سياسي في حال غياب العراق القوي عن الساحة.

تحدث الضيف عن ضرورات استمرار الاندماج السياسي الاميركي في العراق وعدم ترك فراغ سياسي وعسكري غير محسوب العواقب، لكنه يعتقد ان هذا سيحدث بصرف النظر عن الحزب او الشخص القادم للبيت الابيض. هذه قناعة نتفق معه بها وكنا قد عبرنا عن اعتقادنا ان احاديث الحزب الديمقراطي في حملة الانتخابات الرئاسية الاميركية عن انسحاب اميركي من العراق عبارة عن انتهازية وتضليل للرأي العام الاميركي.

الموضوع الاسخن في محاضرة الضيف الالماني كان تحليله عن ايران، وكان مختلفا مع النبرة السياسية العامة في الشرق الاوسط. إذ يعتقد ان ايران مخطئة في مسعاها لبسط نفوذها السياسي دون ان تبني ارضية من العلاقات التي تريح جيرانها من حولها، وهي مخطئة في مسعاها لامتلاك سلاح نووي بل ان هذا ضار بمصالحها. وقناعته ان اوروبا واميركا لن تتعايشا مع "ايران نووية"، لكن الاهم من ذلك ان دول المنطقة لن تفعل ما سيؤدي لسباق تسلح نووي مقلق جدا لأوروبا بالتحديد.

ويرى فيشر أنّ استمرار النهج الايراني سيؤدي الى تصعيد واحتمالات مواجهة مع اميركا، لكن في هذه المرة ستساند اوروبا هذه الاخيرة، ولن تقف متفرجة كما حدث مع حرب اميركا على العراق. وذروة ما قاله المحاضر الالماني: حديثه مع الساسة الايرانيين ونصيحته لهم بأن يأخذوا العبرة من التجربة الالمانية في الحرب العالمية الثانية والتي كادت ان تكلف المانيا حياتها.

أكد الوزير الالماني ان القرن الماضي كان يمكن ان يكون المانياً، لكن المانيا افسدت ذلك لأنها تقوقعت ضمن ايديولوجيتها القومية، التي تعتقد ان بناء القوة العسكرية هو الطريق لقوة وعظمة المانيا، ما جمع العالم ضدها. الرسالة واضحة لإيران: اذا اردتم زيادة النفوذ وتعظيم المصالح فإن بناء القوة العسكرية والنووية ليس الطريق لذلك.

هذه المداخلة تنويرية. وتجدر الاشارة الى ان الصين الآن تتبنى مبدأ استراتيجيا قريبا منها حيث ان سياسية "النمو السلمي"، والتي تتحدث عن احقية النمو المضطرد والمستمر من دون اثارة مخاوف او شكوك العالم هي العنوان العريض الذي يعرف السياسة الصينية الدولية، لذا نجدها غير متحدية، ولا معنية بأن تظهر قوةً كونيةً، لأن هذا مضر لاستراتيجيتها ومصالحها السياسية.

ختم الوزير الالماني حديثه برؤية مستقبلية، وقد كان من الكياسة انه اوصل رسالة تشاؤمية حول مستقبل الشرق الاوسط دون ان يثير حفيظة احد من الحضور، فقد عبر عن قناعته ان العالم سيكون مختلفا تماما بعد عقد او اثنين وهو لا يدري ما اذا كان الشرق الاوسط سيكون قادرا على تبني وتيرة تغير وتطور تلحقه بهذه المرحلة، بما تنطوي عليه من حجم تحدٍّ غير مسبوق.

Mohamed.momani@alghad.jo

التعليق