عباس في الصحافة الإسرائيلية

تم نشره في الجمعة 29 شباط / فبراير 2008. 03:00 صباحاً

سأتوقف عند الطريقة التي تناولت فيها صحيفة يديعوت احرنوت مقابلة الرئيس الفلسطيني محمود عباس التي منحها لجريدة الدستور قبل يومين. في تلك المقابلة، بين السيد أبو مازن الموقف الفلسطيني المعتدل بكل وضوح. وتحدث عن كل المحاور باتزان شديد. بداية، أخذت الجريدة من المقابلة فقط موضوعين: الموقف من يهودية الدولة وموقف أبو مازن من المقاومة.

موقف عباس من يهودية الدولة معروف ويتفق معه في هذا الأمر حتى خصومه السياسيين. لا يمكن للعرب التسليم  بما يريده اليمين الإسرائيلي في نزع اعتراف وتنازل من الجانب العربي بيهودية الدولة لأسباب كثيرة لا مجال لسردها في هذه العجالة. اللافت هو أن تركيز يديعوت احرنوت على هذا الموضوع تحديدا هو لإرسال رسالة إلى الجمهور الإسرائيلي بأن "المعتدل" عباس لا يختلف عن المتشددين.

 لم تقم الصحيفة بتقديم السياق العام للحديث حتى لا يفهم خارج سياقه الصحيح. الراهن أن العرض بهذه الطريقة ليس نتاج عدم معرفة مهنية بأصول المهنة وإنما تقوم به الصحيفة بشكل متعمد. قبل فترة وجيزة من الزمن كان الإسرائيليون يميزون بين اعترف العرب بإسرائيل (وهو المطلوب من وجهة نظرهم) واعتراف العرب بيهودية إسرائيل (وهو أمر خارج منطق المفاوضات). لكن بعد أن تحرك مركز السياسة الإسرائيلي إلى اليمين - مما جعل من شارون (الذي يكمل عامه الثمانين هذه الأيام وهو في حالة غيبوبة) رجل سلام وجعل من مواقفه نقطة الفصل بين اليسار واليمين- فإنّ مقولة يهودية الدولة تكتسب زخما إضافيا لان الذي تغير هو المركز الإسرائيلي وليس بالضرورة مواقف اللاعبين الأساسيين. لذلك فتركيز الصحيفة على رفض عباس لفكرة يهودية الدولة هو من أجل تشويه صور "المعتدلين" الفلسطينيين لدى الجمهور الإسرائيلي.

الموضوع الأهم هو موضوع المقاومة. ركزت الصحيفة الإسرائيلية على "تفاخر" عباس بأنه هو شخصيا أطلق الرصاصة الأولى عام 1965 وأن الفلسطينيين علموا الدنيا المقاومة (من ضمنهم حزب الله) وأنه لا يستبعد اللجوء إلى خيار الكفاح المسلح في المستقبل. لم تتحدث الصحيفة عن مواقف عباس التي ترفض اللجوء إلى العنف كوسيلة لحل الصراعات. فالمعروف عن عباس في الغرب والشرق ولدى العرب والفلسطينيين أنه ضد خيار عسكرة المقاومة. لكن لا يهم كيف يفكر العالم أجمع، لأن الصحيفة بصدد بناء صورة لعباس تربط بينه وبين العنف.

لو تم تقديم السياق العام بشكل واضح لفهم الجمهور الإسرائيلي من خلال قراءة المقابلة أن الرئيس الفلسطيني ينتقد ضمنيا خيار المقاومة المسلحة وأنه كان مع المقاومة عندما كانت ترفض إسرائيل التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية وعندما كانت ترفض إسرائيل الاعتراف بالشعب الفلسطيني. يتذكر الكثيرين مقولة غولدا مئير بأنه "لا يوجد شيء اسمه شعب فلسطيني". تطور الموقف الإسرائيلي قابلة تطور في الموقف الفلسطيني. لذلك فتقديم أقوال الرئيس الفلسطيني بهذه الطريقة إنما يخدم التطرف والتشدد والتمترس داخل المجتمع الإسرائيلي.

المهنية الراقية تتطلب ليس فقط نقل الخبر، وإنما تقديم السياق حتى يكون تفسير الخبر كاملا غير مجتزأ. لكن يبدو أن المقصود أن ينقل للإسرائيليين بشكل انتقائي حتى يتم ترسيخ مقولات إسرائيلية مثل الشريك "القادر وغير الراغب" أو الشريك "الراغب وغير القادر".

ومن ثم، لا أستبعد أن ينظر إلى عباس في المستقبل بأنه كان رئيسا "غير قادر وغير راغب".  لا يمكن النظر إلى هذا النوع من التغطية الصحافية إلا ضمن إطار واضح يهدف إلى فلترة صور الآخر حتى تبقى إمكانية "الشيطنة" أو لنقل إمكانية الانقلاب على الشريك الوحيد موجودة ومبررة.

hassan.barari@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاعتدال اشد خطر على اسرائيل (نهاد اسماعيل)

    الجمعة 29 شباط / فبراير 2008.
    شكرا اخ حسن وأود أن اضيف أن مناحيم بن في مقالة في صحيفة معاريف كتب ان عباس باعتداله اشد خطرا على اسرائيل من المتطرفين لأن العالم يستمع للمعتدل. وحث مناحيم بن في مقاله الحكومة الاسرائيلية بعدم المس بحماس لأن وجودها يخدم الاستراتيجية الاسرائيلية".
  • »هناك ارتباك في الحياة السياسية الاسرائيلية (سمر بدر)

    الجمعة 29 شباط / فبراير 2008.
    إسرائيل بلد مصاب بكل الأفكار وبكل الاقتراحات فهو بلد هجين ومرتبك وأقرب إلى منطق القبيلة منه إلى القومية. لا أظن أن هناك مركز في الحياة السياسية الاسرائيلية كما يرى الكاتب، فاليمين واليسار الاسرائيليان التقليديان أصيبا بالتشظي بقدر ما أظن أن هناك مزاج عام اسرائيلي متقلب حول كل القضاياوبحسب الظروف. من يقرأ الصحف الاسرائيلية يصاب بصداع من كثرة الأفكار والاقتراحات والآراء المتناقضة. الطريقة الأمثل لمعرفة إذا كانت هناك حملة في اسرائيل باتجاه معين هي مراقبة أهمية الصحفيين والكتاب والسياسيين المنغمسين في هذه الحملة ومدى تأثيرهم على السياسة الاسرائيلية، مثلاً صحفيان مثل يهود يعاري وناحوم بارنيا كانا لهما دور أساسي في تشويه صورة أبوعمار عند الجمهور الاسرائيلي. هناك بعض التوجه في اسرائيل للضغط على أبومازن ولكن لا أظن أن هناك توجه واضح لتشويه صورته، حتى الآن.