أولويات بعد التحرير

تم نشره في الثلاثاء 12 شباط / فبراير 2008. 03:00 صباحاً

 

تدور في الاذهان تساؤلات عديدة حول مشهدنا الاقتصادي والاجتماعي في الايام والشهور المقبلة، تساؤلات حول انماط التكيف مع الواقع الجديد، وسبل جعل الاقتصاد اكثر كفاءة في مواجهة تغيرات الاسواق والاسعار التي لا تقف عند حد، ولعل البلاد بمفهومها الجمعي معنية بتحديد اولويات تهدف الى التعاطي الذكي مع تحديات قادمة.

تستوقفني تصريحات وزير الصناعة والتجارة الاخيرة حول تحديد الاسعار لعدد من السلع الاساسية في حال لم يلتزم التجار، وفي ذلك خط جديد لتفعيل الرقابة على الاسعار في ظل عدم التزام التجار بحدود دنيا للاسعار، وهذه اولوية تستوجب تحقيق مراجعة دائمة لأسعار السلع الاساسية حتى لا تكون في سياق الغلاء المتراكم وتصل الى مستويات لا يمكن بعدها التدخل لضبط الاسعار.

قد تنتقد جهة تمويل خارجية تدخل الحكومة في تحديد الاسعار، ولكن لا ضير، فاقتصاد السوق المفتوح لا يعني بحال من الاحوال ان تتلاشى طبقات اجتماعية فقيرة في ظل موجات الارتفاع السعري المتلاحقة في البورصات العالمية للسلع.. ويجب ان تسرع الحكومة ايضا من اجراءاتها لإنجاز قانون حماية المستهلك، وما يتبع ذلك من مأسسة لحقوق المستهلكين على صعيدي السعر والنوع.

ويترافق مع ما سبق، الاعداد لربط الاجور والرواتب مع معدل التضخم في البلاد اما سنويا او بشكل نصف سنوي، وهذه ليست فكرة صعبة التنفيذ، فمن الممكن ان يبدأ الجهاز البيروقراطي وفي موازاته المؤسسات الخاصة والشركات ربطا لنسب ارتفاع معدل التضخم مع الاجور والرواتب المستحقة للعاملين.. وليس جديدا ان قياس معدل التضخم يحتاج الى معادلة جديدة تأخذ بعين الاعتبار مسألة سلة المستهلك من سلع وخدمات والتي يقاس بموجبها مؤشر تكاليف المعيشة، وخاصة اوزان كل خدمة وسلعة بحسب التغييرات التي صاحبتها على امتداد عقد ونصف، وذلك ليعكس المعدل حقيقة الغلاء الذي يعاني منه المستهلكون تبعا للواقع والمستجدات والتغيرات الحالية والمستقبلية.

وبالتوازي مع الحديث عن المستهلكين وقدراتهم الشرائية، فإن الاولوية تقتضي ان ينتبه المخططون الاقتصاديون الى قيمة الدينار في مواجهة الدولار، فالسنوات الثلاث الماضية شهدت هبوطا مرعبا للدولار، وفي المقابل لم يحدث أي تغيير على معادلة تسعير عملتنا المحلية في مواجهة الدولار الاميركي، ونأت السياسة المالية والنقدية لدينا عن اتخاذ قرار لربط الدينار بالعملات الرئيسة تبعا للظروف الاقتصادية المحلية والعالمية، فيما تستمر كلفة الاستيراد من الاتحاد الاوروبي في الارتفاع.. ويبقى التساؤل مطروحا حول مدى القدرة الشرائية للعملة الوطنية في ظل معادلة الربط الحالية.

مؤسسات المجتمع المدني والنقابات والفاعليات التجارية معنية بإشاعة ثقافة العمل المسائي او حتى الليلي، فلقد رأيت في دول عديدة ان مواجهة الغلاء لا تتحقق الا من خلال ان يحظى الفرد بفرصتي عمل لا واحدة دون ان يتحول الى آلة بطبيعة الحال.. وقد يقول قائل ان الفرصة الاولى صعبة فكيف بالثانية.. لكن واقع الحال في دول عديدة يؤشر على نجاح التجربة وهو ما يشيع اجواء العمل والانتاج خاصة لذوي المهن والحرف والمهارات الخاصة في مجالي الصناعة والخدمات.

ويبقى على المجتمع ان يحدث تغييرات متسارعة في جانب سلوكيات الافراد والعائلات والنظرة الى الحياة.. فتقاليد الزواج السابقة ليست ذات جدوى حاليا مع صعوبة ظروف العيش، وأنماط الاستهلاك الاجتماعية  غير المبررة يجب ان تتوقف، ويجب ان يصل المجتمع الى تفاهمات واتفاقات ضمنية اساسها التخفيف على الآخر وعدم التكلف وتبسيط الامور بعيدا عن المظهرية التي تتطلب جيوبا مليئة لا فارغة.. ويشمل الامر ايضا توزيعا مقنعا للانفاق على احتياجات الافراد غير التوزيعات السابقة، فالمأكل والملبس والصحة اولويات يسقط دونها اقتناء سيارة او تغيير جهاز الهاتف المحمول.

إذن، رقابة حكومية صارمة، وسياسات مالية ونقدية تتماشى مع المتغيرات، وقطاع خاص يواكب ثقافة العمل المنتشرة في ارجاء المعمورة، ومجتمع منطقي في انفاقه وعاداته التي تتناسب وقدرات الافراد.. هذه ليست مواعظ، انها بعض من اولويات تحتاجها البلاد بعد تحرير قطاع الطاقة.

التعليق