حماس خطفت غزة ولن تتراجع

تم نشره في السبت 9 شباط / فبراير 2008. 03:00 صباحاً

يتوهم من يعتقد أن حركة حماس يمكن لها ان تتراجع عما حققته من انجازات ومن سيطرة على قطاع غزة بفعل ثلاثة عوامل مترابطة مع بعضها البعض، لا يمكن فصلها عن بعض وهي: 1- تضحياتها وجهادها الكفاحي في توجيه ضربات موجعة للعدو الاسرائيلي دفعت بسببها ثمنا باهظا بسقوط العديد من قياداتها تحت ضربات الاغتيال الاسرائيلي المنظم. 2- نجاحها في الانتخابات البلدية 2005 والتشريعية 2006 وتشكيلها لحكومتين متتاليتين برئاسة اسماعيل هنية الاولى حكومة حزبية في 25/3/2006 والثانية ائتلافية مع حركة فتح وباقي الفصائل في 15/2/2007. 3- الانقلاب الذي نفذته يوم 14/6/2007 واستيلاؤها القسري عبر الحسم العسكري من طرف واحد على قطاع غزة بالكامل.

وبفعل هذه العوامل المترابطة تملك حركة حماس كيانا سياسيا منفردا يمتلك مقومات دولة اعتمادا على ثلاث ركائز، ارض وشعب وسيادة، وهي الركائز الثلاثة التي تقوم عليها الدولة في القانون الدولي. وضمن المواصفات القائمة، يعتبر قطاع غزة من حيث المساحة (360 كيلومترا مربعا) اكبر مساحة من عدة دول منتشرة في العالم بما فيها دول عربية، ولديه عدد سكان (مليون ونصف المليون نسمة)، اكبر من عدد سكان قطر والبحرين والكويت والامارات العربية المتحدة.

ويخلو قطاع غزة من الاستيطان الاسرائيلي كما هو الوضع الحاصل في الضفة الفلسطينية المحتلة. وعلى الرغم من ان سلطة حماس او دولة حماس في غزة تفتقد للسيادة والاعتراف والاقرار الدولي المطلوب لها، لديها مؤسسات سيادية محلية، حيث تملك حكومة ومجلسا تشريعيا منتخبا تم اعادة العمل به من طرف واحد، وشكلت مجلسا قضائيا مفصولا عن المجلس القضائي الفلسطيني الشرعي الموحد، ولديها جهاز امني (القوة التنفيذية وكتائب القسام وشرطة محلية) يلبي متطلبات الوضع الداخلي وحماية مؤسساتها والنشاط الشرطي المعهود.

كما يتوفر لكيان حماس في غزة دخلا ماليا يلبي حاجياتها ويغطي متطلباتها كحد ادنى لاستمرارية الحياة يتكون من اربعة مداخل هي: اولا: تقوم السلطة الوطنية الفلسطينية المركزية في رام الله بضخ 58 بالمائة من مواردها وميزانيتها لقطاع غزة وتوفر رواتب 77 الف موظف مدني وعسكري، بما فيها رواتب رئيس الوزراء المقال اسماعيل هنية والوزراء محمود الزهار وسعيد صيام ونواب المجلس التشريعي، من دون استثناء، وهي التزامات تشكل مكسبا صافيا لحركة حماس ودخلا اجتماعيا يحرك السوق في قطاع غزة، ويشكل ذلك حوالي 65 بالمائة من الحجم الكلي لرواتب موظفي السلطة في الضفة والقدس والقطاع.

ثانيا: جمع تبرعات من قبل جماعات حركة الاخوان المسلمين العالمية العابرة للحدود تقدر بعشرات الملايين يتم نقلها بالشنط والتداول اليدوي، كما حصل في رحلة حجاج قطاع غزة، حيث تم توزيع الشنط المالية على الحجاج تسهيلا لنقلها وادخالها الى القطاع.

ثالثا: مساعدات نقدية تقدمها إيران وقطر مباشرة لحركة حماس.

رابعا: من الجباية اليومية التي تحصل عليها من سكان غزة ومن الضرائب التي تفرضها على التجار مقابل التهريب المسموح به عبر الانفاق، بخاصة على السلع التي يسهل نقلها ويرتفع سعرها كالسجائر مثلا.

اذن لدى حركة حماس إمكانات وقدرات المواصلة والتكيف لمواجهة الضغوط طالما تمتلك مقومات الحياة واستمراريتها، وبذلك تسعى لكسر الحصارات المتعددة المفروضة عليها مساومة على أوراق تفاوضية بحوزتها تحرص من خلالها على تحقيق المزيد من القوة والاقرار بوجودها وتحصيل مكاسب سياسية مقابلها تتمثل بثلاثة اوراق هي:

اولا: الاسير الاسرائيلي شاليط حيث تعمل على التوصل الى اتفاق بشأنه مما يوفر لها ليس فقط التفاوض واطلاق سراح اسرى مقابله بل وتحقيق شروط وظروف سياسية اوسع من ذلك.

ثانيا: اطلاق الصواريخ والعمل على التوصل الى اتفاق هدنة متبادلة بينها وبين الاسرائيليين عبر المصريين.

ثالثا: نقل مواردها المعيشية من الطرف الاسرائيلي الى الطرف المصري مما يوفر مظلة اقتصادية وتبادل منافع بين غزة ومصر من دون تدخل اسرائيلي.

اوراق حماس التفاوضية تم عرضها من قبل وفد حماس المشترك القادم الى القاهرة من غزة ودمشق برئاسة خالد مشعل على الحكومة المصرية، وسواء وجدت هذه الاوراق قبولا او رفضا او تفكيرا بها وبوجاهتها، ولكنها تعكس الروح البراجماتية العملية لدى حماس، ومحاولة كسر الحصار المفروض على كيانها ونظامها وهيمنتها في قطاع غزة، مما يدلل على ان الاولويات لديها هو تمرير مشروعها السياسي الخاص بها بمعزل عن مجموع الوضع الفلسطيني وهمومه ومحاولات اختراقه للموقف التفاوضي الاسرائيلي اعتمادا على العوامل العربية والاوروبية والاميركية الضاغطة بشكل او بآخر على اسرائيل، رغم عدم استجابة اسرائيل لشروط التفاوض وعدم رغبتها دفع الاستحقاقات المطلوبة منها، مما يعكس غياب القرار السياسي الاسرائيلي في الاقدام على تسوية واقعية مع الفلسطينيين، وعدم توفر المناخ الداخلي للتوصل الى مثل هذه التسوية، ويدلل على ذلك انسحاب ليبرمان من حكومة اولمرت بسبب الاقرار بوضع قضايا المرحلة النهائية على جدول اعمال التفاوض، فيما تهديد حركة شاس بالانسحاب من الحكومة اذا تم اقرار وضع القدس في جدول التفاوض، وهي خلاصة شائكة تعكس اخفاق الرئيس محمود عباس في تحقق اختراق معقول، وهذه الخلاصة تدركها حماس وتستغلها لبناء مشروعها الخاص بها.

حماس في واد، والمشروع الوطني الفلسطيني في واد آخر، واولويات حماس في خندق حزبي، واولويات السلطة الوطنية في خندق آخر، هذه وقائع صارمة قاسية، لكن على القيادة الفلسطينية والتحالف الذي يقود منظمة التحرير والسلطة الوطنية أن يعياها ويدركا أبعادها ومخاطرها ويشخصاها كي تجبرا للتعامل معها والتصرف بشأنها.

hamadehfaraneh@yahoo.com

* ينضم الزميل حمادة فراعنة إلى كتّاب "الغد"

التعليق