د.باسم الطويسي

اليونسكو، الأردن وحفريات الأقصى

تم نشره في السبت 9 شباط / فبراير 2008. 03:00 صباحاً

مارست إسرائيل ضغوطها على منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم "اليونسكو" لعرقلة المشروع الأردني لبناء طريق يؤدي إلى باب المغاربة بإشراف أردني ينهي قصة المبررات الإسرائيلية التي تسوقها تحت حجة الحفريات الإنقاذية في الموقع الأكثر حساسية لمشاعر أكثر من مليار مسلم وعربي، ويحافظ على هذا الأثر الإسلامي على الطريق القديمة دون أن تمسه إسرائيل أو تتدخل في شؤونه، وبما يوفر ايضا حماية حضارية لهذا الإرث الإسلامي والإنساني حيث دخلت مدينة القدس منذ عام1982 ضمن القائمة العالمية لمواقع التراث الإنساني التي تشرف عليها اليونسكو وعدت بين المواقع المهددة بالخطر.

الغريب ليس موقف إسرائيل، فمن المعروف انها ستقف في وجه المشروع الأردني وتعرقلة ان لم يكن بضغوطها السياسية والدبلوماسية فستوقفه بالقوة، كما فعلت في ملفات أخرى تتعلق بالشؤون الإسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة، بل المستغرب رضوخ منظمة اليونسكو واستسلامها للضغوط الإسرائيلية، هذه المنظمة التي كنا نحسبها من بين أكثر المنظمات الدولية المعنية بالثقافة والتراث الإنساني استقلالية، ألم تدفع ثمن هذه الاستقلالية في مواجهة الولايات المتحدة على مدى سنوات طويلة في حين انسحبت الأخيرة من عضوية هذه المنظمة أكثر من مرة، ورفضت دفع ما يترتب عليها من التزامات مالية.

أمام الأردن معركة دبلوماسية وسياسية مهمة في هذا الملف الى حين عرض وضع باب المغاربة على لجنة التراث العالمي في شهر تموز القادم، ومن المحتمل ان تواجه الجهود الأردنية بحملة تعبئة إسرائيلية على المستوى الدولي ضد الأردن كما حدث ابان عرض موضوع الجدار العازل على محكمة العدل الدولية، حيث تضمن اتفاقية السلام بين الطرفين استمرار الإشراف الأردني على الشؤون والمواقع الإسلامية في القدس كما استثنى قرار فك الارتباط مع الضفة الغربية هذه المواقع وأبقاها تحت الرعاية الأردنية، إدراكا من الدولة الأردنية لعمق المسؤولية القومية الملقاة على عاتقها في حماية هذه المدينة من التهويد السياسي والحضاري والديمغرافي، كما هو إدراك لحجم المسؤولية الحضارية والإنسانية لمدينة تحمل كل هذا الثقل الحضاري وكل هذه الحساسية والأهمية، وترتبط بها مشاعر أكثر من نصف البشرية من مسلمين ومسيحيين بعيدا عن التنافس على الأدوار السياسية، وهذه هي حدود الدور الأردني كما يفهمه الأردنيون. 

يحترم الأردن السياسات الثقافية لليونسكو ويعد من بين أكثر دول العالم التزاما بها ونحن نقيم الدنيا ولا نقعدها ونهدد بعضنا بعض باليونسكو حينما يتعلق الأمر بأحد المواقع الأردنية التي تقع ضمن قائمة التراث العالمي مثل البتراء وأم الرصاص وغيرهما، ونتمنى ان لا تخضع هذه المنظمة للابتزاز الإسرائيلي بوضع العراقيل أمام المشروع الأردني، وبحسب نائب رئيس لجنة أعمار الأقصى في تصريحه لـ"الغد" قبل يومين بأن المنظمة تطلب من الأردن تفاصيل تعجيزية.

المشروع الإسرائيلي الذي يعد استكمالا لسلسة من الحفريات والإنفاق وأعمال الهدم في محيط المسجد الأقصى التي باشرتها اسرائيل منذ سنوات الاحتلال الأولى للمدينة المقدسة يسعى الى إزالة الجسر الخشبي وغرف وتغيير معالم طريق وتلة باب المغاربة ما يعني هدم جانب من الهوية التاريخية للموقع الذي يحتوي على آثار أيوبية ومملوكية وعثمانية، وهناك تحذيرات قوية بأنة حلقة جديدة في سلسلة الأعمال الإسرائيلية التي تستهدف تغيير ملامح المنطقة وأهمها حفر الانفاق وهدم لأجزاء من الأقصى، إضافة الى الوظيفة الأمنية الذي يوفرها المشروع بتسهيل وصول القوات الإسرائيلية وآلياتها الى باحات الأقصى، بينما تقلل إسرائيل من أهمية أعمال الحفريات وتصفها بأنها حفريات إنقاذية وأعمال ترميم للجسر الذي تصفه بالمتهالك.

المهمة الأردنية في هذا الملف الحساس والخطير كما تحتاج الى عمل علمي ووثائقي وقانوني، تحتاج دبلوماسية نشطة وقادرة على الضغط والتغطية، وتحتاج قبل ذلك ان يرتفع صوتها خارج غرف الجدل بين الخبراء، تحتاج الى تسويق سياسي حقيقي، في هذا الملف لا يكفي ان تفعل الخير بل يجب ان يعلم به الآخرون ويساندوه بالأفعال والأقوال.

Basim.tweisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »للقصة نهاية ليس لها بداية.. (اماني النصرات)

    السبت 9 شباط / فبراير 2008.
    من جاور الشر لا يأمن عواقبة كيف الحياة مع الحيات في سفط ....اسرائيل العدو الذيذ الذي سيطر ع عقولنا وليس فقط بل تسعى سعيها المتواصل والجاد نحو تدمير ثقافتنا وبنيتنا التحتية ..اما نحن فكما قال الكاتب العضيم يحيى زكريا في لقاء لة ع قناة الجزيرة ان كيبارنا هم الخون. حيث نحن الاردنيون لا نعلم بمساعدات واعمال كبارنا الا بعد فوات الاوان .اسرائيل لان تتركنا الا بعد تدميرنا وكماقال كبيرهم يفعلون (حدودك يا اسرائيل من الفرات الى النيل ).. وللقصة نهاية .
  • »تقصير ثقافي واضح (عمرشاهين)

    السبت 9 شباط / فبراير 2008.
    دعني أخي الدكتور باسم أحيد عن موضعك قليلا لأتساءل عن غياب إشهار أن القدس هوية عربية ،نحن ركزنا على الحجر ،على التفجيري ـ على صور الخيمات والتهجير ،ولكننا نسينا أن ندعم وجودنا في فلسطين ثقافيا، تعاملنا مع واقع احتلال ونقل صورة معاناة للعالم ولكننا لم نحارب بهوية ما قبل 48 ،سيما القدس وكنيسة القيامة والدفاع الثقافي عن تاريخهم العروبي ،كان بأمكاننا بدل كتابة ألاف أبيات الشعر عن حجر عام 1988 أن نؤلف كتبا عن الرحالة الذين زاروا فلسطين وأنهم تعاملوا مع عرب وليس مع يهود عن حملة نابليون وأنها لاقت مقاومة فلسطينية وليس يهودية .
    أؤيد كلامك و أصر على أننا شغلنا في الثورة مع إيماننا أنها تضعفنا أمام عالم غربي تعامل مع فلسطين بعد عام 1948 ،ونحن لم نعمل على الدفاع الثقافي الذي كان من الممكن أن يغرس حق العودة والوجود في الثقافات أكثر من حق مقاومات تندثر ولا يبقى سوى تلخيص لها ، لا اعترض على المقاومة وأحقيتها ها هنا ،إنما على حق الثبات الثقافي بتأصيل المكان وكتابة جغرافيته التاريخية ، فلم يشغل العالم الغربي كثير بلغة الثوريات بل رأيها مضاد للتطور البشري ،بينما عمل كثيرا على التثبيت الميثولجي ،الذي تناسيناها وتعاملنا مع واقع ما بعد الاحتلال دون أن ننتبه.