هل تريد الصين أن تكون دولة عظمى؟

تم نشره في الجمعة 8 شباط / فبراير 2008. 02:00 صباحاً

الإجابة على السؤال أعلاه هي: لا! ليس في المدى المنظور. لكن هذه الـ"لا" التي تتعلق بنحو عشرين سنة قادمة، قد تحمل في طياتها "نعم" ممكنة، لكن من دون أن تكون شغلاً شاغلاً للصينيين في الوقت الراهن.

هذا الرأي يتبناه كثير من المحللين والمتابعين والمتخصصين، بمن فيهم الصينيون، لكنه طبعاً سيبدو غريباً للذين يفترضون أن الدول الكبرى في العالم، مثل الصين اليوم، وفرنسا ما قبل ساركوزي، والهند وغيرها، تريد مقارعة الولايات المتحدة على حالة أحادية القطبية التي تتسيد بها العالم منذ انتصارها في الحرب الباردة، من دون أن يلتفتوا لكيفية فهم تلك الدول الكبرى لمصالحها، والتي ثبت أنها تنظر إليها من خلال الشراكة مع الولايات المتحدة، أو على أقل تقدير تقاسم المصالح معها في العالم، لكن بالطبع مع فوارق أخلاقية بين دولة كبرى وأخرى.

بالنسبة للصين، فإن همّها في المدى المنظور ليس أميركياً، فخصمها ومنافسها الرئيسي الآن هو اليابان وليس الولايات المتحدة. ثم إن قضيتها الأساسية ليست سياسية ولا عسكرية، بل اقتصادية وتنموية تتمحور حول بناء قدرات الدولة وتمكين المواطنين اقتصادياً. كذلك فإن أدوارها الخارجية مشغولة بتوفير النفط الذي لا تتوفر عليه من مصادر داخلية فتضطر لاستيراده، وبتوسيع أسواق منتجاتها والترويج لقدرتها على إنتاج بضائع ذات جودة عالية، جنباً إلى جنب مع البضائع متدنية الجودة، بمعنى أنها ليست مشغولة أبداً بالآخرين، سواء لمناكفتهم، أو للدفاع عنهم، ولعل في مواقف الصين في مجلس الأمن الدولي دليلاً على ذلك، فأقصى ما تذهب إليه في القضايا الخلافية هو الامتناع عن التصويت.

في المؤتمر العام الأخير للحزب الشيوعي الصيني، الذي انعقد في تشرين الأول الماضي، قال "هو جين تاو" رئيس الجمهورية، إن الهدف الرئيسي للصين في العام 2020 هو أن تكون نجحت في مضاعفة معدل دخل الفرد السنوي، أربع مرات عنه في العام 2000، والذي كان بلغ 7078 يوانا صينيا (نحو 600 دينار أردني وقتها). وكان الرئيس الصيني يقدم في المؤتمر تقريراً مفصلاً عن أحوال الدولة، ولا يلقي خطاباً عاطفياً أو دعائياً، ما يدل على جدية كلامه وخططه الاستراتيجية. وهكذا، فإن القيادة الصينية ليست مشغولة في المقام الأول بنمو اقتصاد الدولة وبالتالي إمكانية توسع نفوذها العالمي، بل بإيصال ثمار هذا النمو لمواطنيها، وتحسين ظروفهم المعيشية، وهذا منطقي تماماً، إذ ما معنى أن تنهض موارد الدولة، فتُوجّه للتسلح أو بناء مجالات نفوذ في العالم، بينما المواطنون جياع ومُتعبون وغير متحمسين لمصالح بلادهم؟!

وبحسب مجلة "الصين اليوم" فإن خبراء صينيين أشاروا إلى أن تقرير الرئيس الصيني، تضمن تغييراً للمفهوم السائد في الصين حول العدالة في توزيع الدخل، إذ قال "هو" ما مؤداه أن هذه العدالة ستُبنى على قاعدة "فعالية العمل"، ما سيؤدي، بحسب هؤلاء الخبراء، إلى زيادة دخول الفقراء بقيم أكبر من زيادات دخول الأغنياء خلال عملية التنمية الاقتصادية.

 لا تريد الصين، إذن، أن تصير دولة عظمى، ولا تعمل لذلك في المدى المنظور، لكنها تريد أن تخلق مواطناً عظيماً، ليس على طريقة "كل مواطن خفير" الثورية التي تجاوزتها الصين منذ تخلصها من الثورة الثقافية في العام 1977 لتبدأ بعدها مسيرة النمو الاقتصادي، بل من خلال إزالة آثار التهميش عن هذا المواطن، ودفعه للمشاركة في مسيرة نهوض بلاده بإشعاره بفائدتها المباشرة له شخصياً ولعائلته، في مستوى المعيشة كما في الكرامة الوطنية. إن هكذا منهج في التنمية، لا بد أن يفتح الباب يوماً على بناء دولة عظمى، ولو بطريقة تلقائية، فلا يُعقل أن يعيش شعب من مواطنين يشعرون بالعظمة، إلا في دولة عظمى!

لعل من الضروري بالنسبة لنا، نحن العرب، أن نفهم الصين من هذه الزوايا، حتى نقيم معها علاقات تفيدنا، بدل الأفكار الانطباعية السائدة حتى بين سياسيينا عن حتمية انتصار "التنين الصيني"، وعن سعي الصين لمقارعة القطبية الأميركية. المحزن هنا هو أنه بينما تقدم الصين نفسها لنا بوضوح، فإن بعضنا يظن أن ثمة ما لا يعلنه الصينيون، وهو قادر على قراءته بين السطور، هذا بينما أن "خصمنا الاستراتيجي"، إسرائيل، كانت قادرة على فهم تلك الزوايا والتخطيط من خلالها لبناء علاقات مفيدة مع الصين، لولا أن في سياسة الصين الكثير من الأخلاق التي لا تتغاضى عن عدوانية وعنصرية الدولة الصهيونية، ولولا أن في سياسة أميركا الكثير من انعدام الأخلاق التي تمنع أداتها وحليفتها من اللعب مع كبار سواها!

samer.khair@alghad.jo

التعليق