اتصال الملك بالنمري

تم نشره في الاثنين 4 شباط / فبراير 2008. 03:00 صباحاً

مثّلت حادثة الاعتداء على الإعلامي جميل النمري، قبل أسبوعين، تطوراً خطيراً في ظاهرة العنف الاجتماعي، من زاويتين: الأولى، إنها الأولى التي يستعمل فيها "الإرهاب الفكري" الذي يُعاقب الناس على آرائهم، طريقة الاعتداء الجسدي لردع الخصوم والمخالفين أو معاقبتهم على وجهة نظر أبدوها أو موقف اتخذوه في لحظة معينة. أما الثانية، فإنها تعبر عن اتساع نطاقات ظاهرة العنف التي تزايدت خلال السنوات الأخيرة في مجتمعنا وبخاصة بين طلبة الجامعات وضد كوادر المستشفيات، لتشمل أصحاب الرأي الذين لا يملكون سلطة تنفيذية، إذ لا يمكن قراءة تلك الحادثة المؤسفة في غير سياقها الاجتماعي العام.

من هاتين الزاويتين، يبدو اتصال جلالة الملك بالنمري، للاطمئنان عليه، في غاية الأهمية، فهو يعني أن ثمة قرارا على أعلى المستويات في بلدنا للتصدي لاتساع ظاهرة العنف، وعدم السماح بتحولها وسيلة لحل المشاكل بين أفراد المجتمع، وهو أمر يبعث على الارتياح، فلا يمكن أن نصمت تجاه التجاوز على القانون، في الوقت الذي نريد فيه لبلدنا أن يجسد ثنائية المؤسسات والقانون، ولمجتمعنا أن يتجه للثقافة المدنية الديمقراطية التي تضمن حرية الاختلاف والتعددية.

على أن ما يجب ملاحظته في حادثة الاعتداء على كاتب صحافي، أنها الأخطر بين حوادث العنف الاجتماعي الأخرى، ففي حوادث الجامعات، نقول أن ثمة أزمة ثقافية لدى الأجيال الجديدة، تعززها حماستهم الزائدة وافتقادهم للتروي، وهو أمر يمكن معالجته مع الأيام شريطة التنبه لأساسه الثقافي.

في حوادث الاعتداء على الكوادر الطبية، نقول أن ثمة أزمة في علاقة الطبيب بالمريض ومرافقيه، وثمة حالة عاطفية يُشحن بها هؤلاء المرافقون أثناء وجودهم إلى جوار مريضهم، ما يمكن أن يُفهمنا سر تلك الأحداث المؤسفة في المستشفيات، كي نعمل على قطع جذورها وتجفيف منابعها. كما أن ثمة في كل من حوادث الجامعات وأحداث المستشفيات، تعبيرا عن رفض الفرد لحالة التهميش التي يعيشها، ومحاولة منه لإثبات وجوده وقدرته على التأثير، لكن عبر سلوك طائش وغرائزي، ما يعني أن ثمة سبباً نفسياً وراء مظاهر العنف تلك، يمكن بتحليله وعلاجه، تقليص تلك المظاهر والتخلص منها.

أما في حالة الاعتداء على جميل النمري، باعتباره مذيعاً تلفزيونياً أو كاتباً صحافياً، أي غير صاحب سلطة ربما اتخذ قراراً أضر بأحدهم فسعى للانتقام منه، فإنه لا يمكن القول بأن أزمة ما، يمكن تفهمها، نفسية كانت أو ثقافية، تدفع لهكذا تصرف يبدو مبيّتاً منذ عدة شهور، ويبدو مخططاً له بعناية. ولهذا فإن اختيار جلالة الملك هذه الحادثة بالذات، ليعبر من خلالها عن رفضه لظاهرة العنف، إنما يؤكد أن الظاهرة تجاوزت حدودها، وبات التصدي لها عملياً أمراً مُلحاً، فلا ينفع في هكذا حادثة خطاب توعوي، وعمل تثقيفي، لأن من أقدم على ذلك السلوك كان واعياً لما يفعل، ومدركاً لما يريد.

على أن التوعية والتثقيف ضروريان في حالات العنف الأخرى. فما يجري في الجامعات يؤشر على أن الخريج الجامعي لم يعد ذاك القدوة التي يُزدهى بها، فالجامعة التي كانت تمنح طالبها الوعي قبل الشهادة، اكتفت أخيراً بالشهادة وحدها، فمن سيمنحه الآن ذلك الوعي الضروري؟

وما يجري بين الأطباء ومراجعي المستشفيات الحكومية، يدل على أن كلاً من الطرفين لا يفهم حدود علاقته بالآخر، فالطبيب أو الممرض لا يتوقف عند رسالته الطبية الإنسانية الأخلاقية بل يتجاوزها إلى التسلط والتعالي والعجرفة، أما المريض والمراجع فلا يتوقف عند حدود ما يمكن أن يُمنح له، فيفرّج عن كل احتقاناته أمام طبيب أعزل ربما لم يستجب لما طلبه منه.

لهذا، فإن ظاهرة العنف لا تُحل إلا بتكامل الوسائل في علاجها: بالتثقيف المدني والديمقراطي حيثما وجدت أزمة العصبيات الغرائزية، وبالتوعية الموضوعية حيثما أعلن الناس عن احتقاناتهم النفسية في غير محلها، وأخيراً بالتصدي والحزم حيثما كان العمل العنيف آثماً وإجرامياً وكريهاً، ومدفوعاً بعقلية العصابات.

وهكذا، فإذا كان الملك قد أكد لجميل النمري إيعازه بملاحقة المجرمين، فإن على مؤسساتنا الثقافية والإعلامية والتعليمية أن تشتغل ببرامج التغيير الثقافي، كي تلاحق من ناحيتها الأفكار التي تصنع العنف، فالأوطان تُبنى بالتنمية لا بالاحتفالات!

samerkhraino@hotmail.com

التعليق