د.باسم الطويسي

الغائب في استراتيجية التعليم العالي

تم نشره في الاثنين 7 كانون الثاني / يناير 2008. 02:00 صباحاً

لا أحد من المطلعين ينكر ان السنوات الأخيرة شهدت صراعا وجدلا غير معلن حول سياسات إصلاح التعليم العالي حيث سارت فكرة إطلاق استراتيجية شاملة ببطء وتردد.

الصراع الحقيقي غير المعلن كان يدور حول محورين هما استقلالية الجامعات؛ أي مدى تحقق الشروط والبيئة الملائمة التي توفر النمو المؤسسي المستقل للجامعات بعيدا عن تدخلات الحكومة وضغوطاتها، والمحور الثاني هو كفاءة الإدارات الجامعية. ألم تحاول إحدى الحكومات تغيير رؤساء الجامعات والإتيان بأطقم كاملة من الرؤساء على المقاس من اؤلئك الذين لا يمكن ان يتم وضعهم تحت إبط الحكومة فحسب، بل ويدارون من قبل مسؤول في إحدى مديريات وزارة التعليم العالي؟!

عناصر الضعف وتحديات التعليم العالي، التي تتحدث عنها الندوات وورش العمل منذ سنوات، أصبحت محاور استراتيجية التعليم العالي الحالية - على وجاهتها للوهلة- فلا قيمة حقيقية لها، وفعليا ستسهم هي الأخرى في إعادة إنتاج الرداءة بدلا من قصة الجودة التي يتحدث عنها الجميع، إذا لم ترسخ آليات واضحة وحازمة في المسألتين السابقتين، استقلالية الجامعات وكفاءة الإدارات الجامعية؛ وهما للأسف اقل ما تحدثت عنهما الاستراتيجية.

 

المعيار الحقيقي للكفاءة هما الاستقلالية، فرئيس الجامعة، الذي يستحق ان يشغل موقعه، يساهم في تشكيل مستقبل جيل بأكمله، وإدارة مؤسسة تحرس حق المجتمع في المعرفة والنهضة تقاس كفاءتها على مقياس الاستقلالية في قدرتها على الحفاظ على هذه المؤسسة بعيدا عن لعبة التدخلات السياسية والمصلحية للحكومات ومؤسساتها، وحتى التدخل من قبل قوى المجتمع ومراكز النفوذ والقوة فيه.

بصراحة أكثر؛ فما هو مبرر وصول قيادات متواضعة لادارة هذه المؤسسات سوى الرغبة في تمرير ما تريده هذه الجهة أو تلك على اعتبار ان الجامعات مزارع كبيرة تستوعب تناقضات الجميع ومطالبهم.

حدث ذلك، وما يزال يحدث، على حساب ما تحول اليوم الى تحديات ونقاط ضعف تتحدث عنها الاستراتيجيات، على حساب جودة التعليم ونوعية مخرجاته، وعلى حساب مدى مواءمته لمسارات التنمية الوطنية وأولياتها، وعلى حساب البحث العلمي والدراسات العليا، وعلى حساب سياسات القبول، دون ان نلتفت الى ان تراجع استقلالية الجامعات وتواضع كفاءة الإدارة الجامعية، هما خلف مديونية الجامعات الكبيرة، وتواضع جودة التعليم العالي ومخرجاته وضعف مساهمته في تنمية المجتمعات المحلية وتحديثها.

تملك جامعاتنا بنية تحتية ومرافق متقدمة على مستوى العالم، لكن الجامعات لا تنهض بالمباني والمكاتب الفارهة وحدها، إذا لم ترافق ذلك مخرجات فارقة في مسار التنمية والتحديث لا ان تكون عبئا على التنمية، واليوم عبء آخر على جيوب المواطنين.

تستحق الجامعات المزيد من الدعم وتوفير التمويل، لكن حينما تدخل في مسار حقيقي للإصلاح الداخلي وليس مجرد ملتقيات وندوات واستراتيجيات. وما أن ينفض السامر حتى نعود الى سيرتنا الأولى. بينما هَمّ رؤساء الجامعات الأول وشغلهم الشاغل ضغوط المخاتير والوجهاء أكثر من أزمة البحث العلمي وبناء جامعات معاصرة. وترهقهم التوازنات وتطييب الخواطر أكثر من إرساء قواعد المؤسسية وإنجاز مهام مؤسساتهم بالحد الأدنى من كفاءة.

ولعل من المفارقات الأخرى في استراتيجية التعليم العالي، وبالتوازي مع غياب الحديث الجاد عن الاستقلالية، غياب الحديث عن الدور المجتمعي للجامعات؛ أي دورها في تنمية المجتمعات من خلال خطط وبرامج مباشرة تستهدف هذه المجتمعات وتخصص لها حصة في الميزانيات والكوادر. ولطالما رددت النخب الأكاديمية أن لمؤسساتها ثلاثة أهداف أساسية، التعليم والبحث وخدمة المجتمعات المحلية وتنميتها، ويبدو ان تلك النخب قد انسحبت من تحدي التوفيق بين معادلة من يؤثر في الآخر؟ الجامعة في المجتمع أم المجتمع في الجامعة؟

فمعظم الجامعات الأردنية رضخت لمؤثرات قوى نافذة في المجتمع وليس المجتمع، وبقيت تلهث خلف تلبية مطالب مراكز القوى في مجتمعاتها المحلية وتحقق مصالحها تحت بند مبررات الظروف الاقتصادية والمعيشية للأفراد، ما أدى الى ضعف دور الجامعات الحقيقي في التأثير الايجابي، الذي يتجاوز الأدوار التقليدية في التعليم والبحث نحو التغيير ونشر الحداثة، مع نمو اتجاهات من العزلة عند بعض الأكاديميين وعدم ميلهم الى التفاعل الايجابي مع المجتمعات المحلية، وهم يرون ما يحدث حولهم ولا حول ولا قوة لهم.

الجامعات بحاجة الى إصلاح حقيقي، ولن يتحقق ذلك إلا في ضوء ضمان كفاءة حقيقية في الإدارات الجامعية، وتوفير آلية موضوعية لتصعيد هذه القيادات، وضمان حد معقول من الاستقلالية.

الرهان الحقيقي على مستقبل مشروع الإصلاح التنموي الوطني يبدأ من داخل أسوار الجامعات.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المشاريع (د. عماد الحجازين)

    الاثنين 7 كانون الثاني / يناير 2008.
    نرجو ان تطرح موضوع دورالجامعات في دعم التنمية والتطوير من خلال مشاريع بحثية للتنمية وتطوير الصناعات تمولها الشركات المحلية.
  • »مشاكل التعليم العالي (Jebril Alhelalat)

    الاثنين 7 كانون الثاني / يناير 2008.
    اشكرك يا دكتور على حرصك على التنبيه لمشاكل التعليم العالي و أثني على النقاط الجوهرية التي اسهبت في شرحها, ولا بد ان اضيف بعض النقاط التي ارى ويرى معي الكثيرون انها معيقات للنهوض بالتعليم العالي: ضعف ميزانية البحث العلمي مقارنة بميزانيات الضيافات و السيارات و فخامة المكاتب و السكرتيرات, البيروقرطية في اجراءات قبول وتمويل الابحاث العلمية, انتشار الواسطة على حساب جودة المخرجات والتحصيل العلمي للخريجين, عدم قدرة الهيئات التدريسية في الغالب على تطوير نفسها وتطوير المناهج والمساقات. أمور كثيرة يا سيدي تبدأ كما قلتم من داخل أسوار الجامعات.
  • »رئيس الجامعة (محمد النصرات)

    الاثنين 7 كانون الثاني / يناير 2008.
    شكرا دكتور باسم على طرق هذا الباب العالي (التعليم العالي ) في الاردن ، فقط اريد الحديث عن رئيس الجامعة في جامعاتنا الغالية،ربما قد يصل الى كرسي الرئيس من لا يستحقه، ولكن حتى اذا وصل الرئيس المناسب فانه ينشغل في أهم اعماله وهي توفير مصدر دخل للجامعة بالاضافة الى القروض من هنا وهناك،واستقبال الوفود من اجل العمل والتشغيل، وينهمك الرئيس في هذه الاعمال وينسى انه وضع لتطوير الجامعة او الحفاظ على تقدمها ،لذلك بعض الرؤساء يرجعون جامعاتهم الى الخلف 100سنة، والبعض الاخر من الممكن ان يطورها الى الافضل، وهولاء قلة.نريد ان نبحث عن مخرج لجامعاتناحتى تكون في مصاف الجامعات المتقدمة.كيف؟حتى خريجي هذه الجامعات من الدراسات العليافي بحث الاحيان يرفض مع وجود بديل من جامعة اجنبية .اذن الخلل في الكل وليس في الجزء.
  • »من يؤثر في الاخر (نائل علي)

    الاثنين 7 كانون الثاني / يناير 2008.
    من يؤثر بالاخر المجتمع بالجامعة ام الجامعة بالمجتمع هذا السؤال يحتاج الى مراجعة حقيقية ’ فالجامعات في الحقيقية المرة ورؤسها بالتحديد جعلوا منها كائنات مرعوبة غير قادرة على الحركة ، تحت ذريعة المجتمع ومتتطلبات المجتمع وهي لا تخدم المجتمع بل تخدم فئة ومراكز قوى كما اشار الكاتب ، فالمطلوب من الجامعات ان لا تستثمر لان استثمارها قد يعطل مصالح فلان او علان ومطلوب من الجامعات تتهوان في تطبيق الانظمة والتعليمات من ةاجل ان تنتفع فئة بعينها ، حتى اولويات البحث العلمي تناقش ويتم التدخل بها من قبل اشخاص لا علاقة لهم لا بالبحث ولا بغيره في الجامعات الموجودة في المحافظات تزداد المشكلة تأخذ ابعاد اكثر خطورة ، ياترى ايعقل ان توزع عمادات الكليات على العشائر
  • »استراتيجية التعليم العالي والتنمية (Musa Nawafleh)

    الاثنين 7 كانون الثاني / يناير 2008.
    من المعروف ان الدور الأساسي للجامعات بعد الدور الأكاديمي هو الدور التنموي، والذي مع الأسف لم يرق بعد الى المستوى المأمول كما لم يرق الى ما يجب أن يكون عليه هذا الدور وذلك يعود للأسباب عديدة ذكرهاالكاتب في مقالته ولا داعي لذكرها هنا ثانية.
    الجامعات بحاجة الى مزيد من الرعاية والدعم، كما ان الادارة الجامعية يجب ان تكون على مستوى عال من الحس الوطني والموجه الى أغراض التنمية وخدمة أهدافها لا لخدمة بعض المتنفذين في المجتمعات المحلية التي توجد فيها الجامعات.
    مسيرة التنمية شائكة كما الاصلاح، والدور الملقى على عاتق الجامعات الحكومية والخاصة دور كبير والرهان معقود على هذه المؤسسات لخلق بيئة تنموية شاملة يسهم في خلق تنمية حقيقية من خلال البحث العلمي والتطوير ومنحها المزيد من الاستقلالية.
    ما نتمنى أن نراه ان تكون جامعاتنا الاردنية مثالا يحتذى في مخرجات التعليم والكفاءة العلمية والمهنية والبحث العلمي والابداع، فالتنمية ليست مساعدات ومنح هنا وهناك التنمية تبدأ من الانسان الذي هو محورها وتنتهي به، على الجامعات أخذ زمام المبادرة والعمل على وضع خطط مدروسة وفق رؤى علمية واضحة وقابلة للقياس لبناء نموذج اردني خاص بالتنمية ومفرداتها.