مهمة صندوق النقد الدولي الجديدة؟

تم نشره في الأربعاء 2 كانون الثاني / يناير 2008. 02:00 صباحاً

تهدد الضغوط التي تسببها ردود الفعل المتقلبة للسوق - الناتجة عن انعدام التوازن العالمي- الاقتصاد العالمي بازدياد، في الوقت الذي فقد صندوق النقد الدولي سبب وجوده كمؤسسة العالم المالية المركزية بشكل كبير. يجب أن يوجه هذان التطوران صندوق النقد العالمي لكي يطالب بدور جديد يكرسه كمدير للاحتياطي العالمي.

أدار صندوق النقد العالمي في الستينيات مشاكل الاقتصاديات الكبرى في العالم وفي الثمانينيات والتسعينيات تبوؤ الصندوق منصب مدير أزمات الأسواق الناهضة. ولكن هذا الواجب غدا أكثر صعوبة في يومنا هذا تبعاً لأحجام بعض الاقتصاديات الضخمة الناهضة حالياً. وفي كل الحالات ينتقل تركيز التوتر المالي مرة أخرى إلى الدول الأصل في الاقتصاد العالمي مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا اللواتي يغطين حالياً عجوزات ضخمة في حساباتهن الجارية من فوائض مصدرها دول أفقر بكثير.

تعكس هذه الفوائض معدلات ادخار عالية في القطاعين الخاص والعام في الاقتصاديات الآسيوية الناهضة والمنتجة للبترول، الأمر الذي نتج عنه تراكم سريع لاحتياطياتها من العملة الأجنبية. وهو أبعد ما يكون عن النعمة لهذه البلدان. فقد بلغت احتياطياتها من الضخامة بمكان بحيث يمكن فيه أن يسبب أي إعلان عن تغير بسيط في الأصول - فلنقل من اليورو إلى الدولار- تحركاً في الأسواق وأن يسبب اضطراباً وهلعاً. هذه الأنظمة مثلها مثل أنظمة الاحتياطيات السابقة - التي طرحت خيارات للأصول مثل الدولار والجنيه الإسترليني والذهب-محتومة بعدم الاستقرار.

وبالنسبة لدول "الفوائض الجديدة" كانت محاولاتها لإيجاد أصول بديلة مليئة بالمشاكل. توجه معظم الاهتمام نحو احتياطي الصين الذي بلغ ترليون دولار ومحاولاتها للحفاظ على قيمته. وخلال الصيف الماضي، تحول تنويع الاحتياطي من العملة الأميركية عن طريق استثمار ثلاثة بلايين دولار في صندوق أسهم بلاكستون الخاص سريعاً إلى انهيار محرج في القيمة.

وفي الطرف الآخر من المعادلة أصبحت حكومات الدول المصنعة أكثر قلقاً من أن "صناديق الثروة الحافظة للسيادة" الجديدة(SWFs) أصبحت تستخدم بمنحى استراتيجي بدلاً من أن تتجاوب مع منطق السوق.وحتى نموذج صندوق ثروة السيادة السنغافوري الناجح "تيماسك" - الذي استخدم لفترة طويلة دون أن يلحظ- أصبح يلفت مستوىً كبيراً من الاهتمام لم يرده ملاكه ومدراؤه.

إن القلق المتنامي مفهوم. ففي النهاية، وباعتبار أن البنوك المركزية وصناديق ثروة السيادة لاقتصاديات السوق الناهضة في يومنا هذا تتحكم بفعالية بأسواق رؤوس الأموال، لم تعد النواتج محصلة لتفاعل ملايين التنبؤات المستقلة والقرارات أو الاستراتيجيات. وعندما تتخذ كتل بمثل هذا الحجم قرارات معينة فهي محتومة بأن تتصرف بطريقة استراتيجية. وهنا تبدأ كل الأطراف بتوجيه أصابع الشك نحو التلاعب السياسي.

ولكن التناقضات الناتجة عن ذلك ليست عصية على الحل، وما يزال بالإمكان تحييد السم السياسي من خلال بناء نظم رقابة تشرف عليها مؤسسات متعددة الأطراف ملتزمة بتحقيق الخير العام. هذه هي الوظيفة الرئيسية التي يجب أن تناط بصندوق النقد الدولي. وفي يومنا هذا لا تتعدى الرقابة فعلياً تقديم النصح. ولكن في الستينيات -عندما كان صندوق النقد الدولي ما يزال مشرفاً على قواعد بريتتون وودز لنظم القيمة قبل انهيارها عام1971- كانت الرقابة مرتبطة بفعالية الصندوق كوسيط مالي رئيسي.

كانت قدرة صندوق النقد الدولي على تقديم النصح المؤثر للبلدان الأكثر أهمية - مثل المملكة المتحدة- مدعومة باعتماد هذه البلدان على مصادر الصندوق. إنها القدرات المالية لصندوق النقد الدولي من أعطاه قوته، قوة تم تعزيزها باقتراض الصندوق بدايةً من الدجي -10 الذي أسس "الإجراءات العامة للاقتراض".

وفي السنين التي تلت انهيار بريتتون وودز أعاد صندوق النقد الدولي تقديم نفسه كأداة أساسية لإدارة الفوائض التي نتجت عن صدمة أسعار النفط في السبعينيات. اقترض الصندوق من بلدان الفوائض الجديدة التي أدارت أصولها الجديدة من خلال وساطة الصندوق. وكنتيجة لذلك استطاع الصندوق إقراض البلدان التي عانت من الصدمة التي سببها ارتفاع أسعار النفط.

وبالفعل، يمكن للاعب مالي ضخم أن يقوم بدور العامل الموازن. في الماضي كان سلوك المؤسسات الخاصة الضخمة المعاكس للدورة الاقتصادية عاملاً موازناً لتوقعات السوق خلال فترات الهلع. بالطريقة التي أبقى فيها روثشايلد هاوس النصف الأول من القرن التاسع عشر مستقراً. وبالمثل ضمن جيه بي مورغان الاقتصاد الأميركي في فترة الهلع العظيم في 1895-1896 والعام 1907. لم يكن هناك قوى مشابهة عندما جاء الانهيار العظيم في الثلاثينيات. وفي العام 2007 هناك دلائل على أن جولدمان ساشس يجد نفسه مرغماًً على الوقوف في وجه الريح بغرض دعم استقرار الأسواق.

يمكن لصندوق النقد الدولي أن يلعب دور الموازن المالي في حال إدارته لجزء معتبر من الأصول الاحتياطية لدول الفوائض الجديدة، وذلك لأنها ستوظف بشكل جيد للوقوف في وجه المضاربين. الأمر الذي سوف يخدم بالنهاية مالكي الأصول الاحتياطية - الذين بفضل تراكم الفوائض الضخمة- يشتركون بمصلحة الاستقرار المالي والاقتصادي للعالم. وفي نفس الوقت، ستعني إدارة الأصول الاحتياطية من قبل مدير أصول متحكم به عالمياً إزالة الشبهات والشكوك في استخدام الأصول لأغراض استراتيجية سياسية.

ولكن، وبهدف أداء هذا الواجب - الجديد كلياً- سيحتاج صندوق النقد الدولي أن يستعيد ثقة أعضائه. كان الارتفاع في الاحتياطيات لدى البلدان الآسيوية ردة فعل على الأزمة المالية التي حدثت في العام1997 الأمر الذي عزز خيبة الأمل في صندوق النقد الدولي. وبالتالي، وقبل أن يدعي صندوق النقد الدولي دور مدير الاحتياطي العالمي، يجب أن تمتلك دول الفوائض الجديدة بشكل جوهري مزيداً من النفوذ على حكمه. عندها فقط سيكون لهذه الدول الثقة بأنها لن تكون عرضة للتلاعب المدفوع سياسياً. 

هارولد جيمس، هو بروفيسور التاريخ والشؤون الدولية في جامعة برينستون وهو مؤلف كتاب "المعضلة الرومانية".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع "بروجكت سينديكيت".

التعليق