د.باسم الطويسي

جيل جديد من الاستراتيجيات

تم نشره في الخميس 13 كانون الأول / ديسمبر 2007. 03:00 صباحاً

 

الخلاصة التي سيؤول إليها العام الذي قارب على الانتهاء، تقول بان إدارة الصراع في الشرق مقبلة على مرحلة جديدة، ربما غير قابلة للملاحظة للوهلة الأولى، تبحث في هذا الوقت عن دليل العاب سياسية جديد، يوفر خرائط للحركة وإدارة الصراع للإجابة عن أسئلة عميقة؛ ماذا بعد انابوليس في ضوء التداعيات الإسرائيلية الواضحة؟ وماذا بعد تقرير المخابرات الاميركية حول الملف النووي الإيراني؟ وما هو شكل التفاعلات المقبلة في إدارة المصالح من بحر العرب إلى بحر قزوين؟ وماذا عن اليوم التالي على الجبهة السورية- اللبنانية بعد حسم الحيرة المملة في الصراع حول فخامة كرسي الرئاسة اللبنانية؟

من المحتمل ان يشكل الجيل الثاني من الاستراتيجيات الدولية الجديدة في المنطقة نمطا آخر من الصراع، بعد ان قارب الجيل الأول الذي ساد نمطه العام منذ احتلال العراق على الانتهاء، حيث طبع الجيل الأول بطابع توالي تفجير الأزمات دون إيجاد الحلول لها، كما هو سائد في السياسة الكثيفة في العراق بدون أفق سياسي، والمرواحة الإقليمية المغلقة في كل من الملفين اللبناني والإيراني، ثم التهميش والتفتيت للقضية الفلسطينية.

الجيل الجديد من الاستراتيجيات الدولية تُقرأ ملامحه الأولية في تفعيل آليات تقليدية وطرح استراتيجيات أخرى جديدة لتصريف الفوائض النفطية الهائلة، كما يبدو في صفقات التسلح الجديدة وصولا إلى صفقات المفاعلات النووية للأغراض السلمية وحتى الصفقات الضخمة لطائرات نقل الركاب المدنية، وفي إعادة تفكيك تحالفات أصبحت تقليدية وإعادة بناء تحالفات جديدة.

يمكن ملاحظة هذه التطورات في الدور الروسي المتلاحق بسرعة على جبهة الفصائل الفلسطينية وفي التفاهمات الأميركية- الإيرانية المنتظرة، كما هي الحال في الدراما الفرنسية السريعة في شمال أفريقيا، الأمر ينسحب على تفريغ الأزمات الراهنة في أزمات جديدة. وهنا يجب الانتباه الى اليوم التالي للصيغ إلى يتم من خلالها تفريغ الأزمات المزمنة مثل قرار مجلس الأمن الأخير حيال ملف دارفور أو اتجاهات أزمة السلطة في لبنان.

وعلى الرغم من الكثافة السياسية التي اتسم بها الصراع في الشرق الأوسط خلال السنوات الأربع الماضية وما شهدته من احتلالات وأزمات طاحنة واستخدام مفرط للقوة وأنماط لم يألفها الإقليم من الفوضى، إلا ان نمط الجغرافيا السياسية التقليدية قد حافظ على استقراره. لم تولد كيانات جديدة، ولم تزل دول، ولم تتفكك بشكل كامل مجتمعات أو دول أخرى، بينما تبقى كل البذور التي زرعتها هذه المرحلة من فوضى وحروب أهلية وأزمات وصراخ سياسي قابلة  للحصاد في الجيل القادم من استراتيجيات الصراع التي من المحتمل ان يكون عنوانها البارز التصدعات الجغرافية العميقة. 

احتمالات التحول كيفية وليست تراكمية فقط، كما تعودنا، من التهديدات التقليدية التي ما تزال مستمرة بل وتتفاقم إلى تهديدات فوق تقليدية. فالمنطقة بقيت توصف منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بأنها غير مستقرة وربما أكثر أقاليم العالم توترا لكنها لم تشهد تصدعا عميقا، فقد شهدت خلال هذه الحقبة (8) حروب تصنف على انها حروب نظامية رئيسية، شاركت فيها (14) دولة من دول الإقليم في دائرتي الصراع العربي- الإسرائيلي والخليج، يضاف إلى تلك (5) حروب أهلية (36) صداما مسلحا بين دول المنطقة ذاتها و(16) صداما مسلحا بينها وبين أطراف من خارج الإقليم، وقدرا هائل من أعمال العنف الداخلي، ما يعني ان الإقليم بما فيه العالم العربي لم يعرف الاستقرار السياسي خلال خمسة عقود خلت، ومع هذا حافظ على نمط واضح من التفاعلات وعلى استقرار يشبه صمت المقابر في الحراك السياسي والقيم السياسية المحلية فيما وصف بالبحيرات السياسية الراكدة.

بينما تشير التطورات بأن الحال تتدهور في اتجاهات أكثر حدة وسرعة، وان المنطقة باتت تتجاوز بالفعل سمة عدم الاستقرار إلى مستوى من التفكك الذي قد يصل إلى فوضى حقيقية، وأول ملامح التهديدات فوق التقليدية تبدو في حقيقة وجود شرق أوسط متصدع بشدة وتحت التشكيل. وحملت الأحداث شهادة واقعية على حجم التصدعات وقوتها التي تحفر عميقا في الجغرافيا السياسية وتشكيلاتها الاجتماعية والثقافية، وفي وسط هذا الإقليم المتصدع توجد بقايا نظام إقليمي عربي ضعيف ومترهل قابل للقسمة والتقاسم بين كل الفرقاء.

التفاعلات الجارية على الأرض والممتدة على مدار العام كانت أسرع من قدرة الأطراف الدولية والنظم السياسية المحلية والمؤسسات على استيعابها أو التعامل بالحد الأدنى مع متطلباتها، ويتضح ذلك في حالات تفاقم الاشتباك العراقي الداخلي مع استمرار الاحتلال والنفوذ الإقليمي، والأزمة اللبنانية وملف الحرب والسلام في السودان، وتأثيرات الملف النووي والنفوذ الإيراني، وعودة الصراع حول الصومال، وقبل ذلك تراجع مكانة القضية الفلسطينية لصالح استمرار صراعات الفصائل الفلسطينية وغيبوبة حركة التحرر الوطني. بينما تنتظر الأطراف الرسمية العربية تداعيات أفعال الآخرين، وتتلقف بعضها مقالا يكتبه صحافي أميركي لتجعله الإطار لفهمها الاستراتيجي للوقائع المتغيرة، فإن بعض المراجعات الراهنة ستقود إلى ان يتحول من كانوا جزءاً من المشكلة في السابق إلى جزء من الحل في بعض الملفات وقريباً جداً.

في المجمل؛ الخوف الحقيقي ليس من تراجع مكانة العالم العربي في العالم في ضوء هذه التداعيات، بل من احتمالات تشكل نظم اقليمية فرعية جديدة ومتنافرة، أي اننا أمام تصدعات جغرافية قادمة، وخطورتها الحقيقية  تكمن في ان جزءا منها قادم من داخل الإقليم ذاته ولا يحتاج أكثر من الإعلان عنه، في ضوء هذا التراكم تبدو ملامح الجيل الجديد من الاستراتيجيات الدولية التي أخذت تجد طريقها من الخرائط إلى الأرض؛ فالذين يمارسون السياسة بالنوايا هم الخاسرون.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »استراتيجيات بلا مضمون (Musa Nawafleh)

    الخميس 13 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    تبدو الاستراتيجيات التي تطبخ خارج الاقليم غالبا هي سيد الموقف وهي تبنى لمصالح الدول التي تتبناها، ولكن الذي يحصد ويلاتها هم العرب بالدرجة الاولى!!!
    فهي بلا مضمون للدول العربية، ولا تنفع هذه الدول، وانما تسعى الى تفكيكها وزعزعتها من الداخل.
    ان المتتبع للأحداث يجد ان هناك ملامح مرحلة جديدة من الاستراتيجيات السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية سوف تظهر خلال عام 2008 ، والا ما تفسير هذا الحراك الامريكي الفرنسي في المنطقة، ما سر الصفقات المعلنة (والمخفي أعظم) مع أنظمة كانت بالأمس القريب تصنف ضمن ما يسمى (محور الشر!!)
    ماذا تبدل ؟؟ لا شيئ! سةى ان هناك استراتيجيات جديدة لاحتواء المنطقة ونهب خيراتها وهذه المرة بأدوات وطرق جديدة .