إبراهيم غرايبة

الهويات الاستعمارية و"ما بعد الاستعمارية"

تم نشره في السبت 1 كانون الأول / ديسمبر 2007. 03:00 صباحاً

برغم أن الاستعمار باعتباره غزو أراضي وممتلكات شعب آخر والسيطرة عليها هو سلوك بشري قديم، فإن الاستعمار الأوروبي الحديث شكل أنواعا جديدة من الممارسات الاستعمارية التي غيرت الكرة الأرضية بأكملها بطريقة لم تفعلها تلك الأنواع الأخرى من الاستعمار على مدى التاريخ،وفي كتاب آنيا لومبا "في نظرية الاستعمار وما بعد الاستعمار الأدبية" رؤى مهمة تفتح عيوننا على وعي جديد للاستعمار، فقد فعل الاستعمار الحديث أكثر من مجرد استخلاص الأتاوات والثروة من البلاد المقهورة، إذ أعاد بناء اقتصاديات البلدان المقهورة، وأدخلها في علاقة معقدة مع اقتصاده هو بحيث أصبح هناك تدفق للمصادر البشرية والطبيعية بين البلدان المستعمِرة والمستعمَرة.

هذا التدفق جرى في اتجاهين: العبيد والعمل الإلزامي التعاقدي والمواد الأولية التي تحول إلى بضائع صناعية في المدينة، ولكن المستعمرات قدمت أيضا أسواقا ظلت أسيرة للبضائع الأوروبية.

وهكذا نقل العبيد من أفريقيا إلى أوروبا، ونقل القطن الخام من الهند لتصنيعه إلى ملابس في إنجلترا ليعاد بيعه إلى الهند، وفي أي اتجاه سافر الناس أو المواد فإن الفوائد تدفقت إلى ما يسمى"البلد الأم".

هذه التدفقات من الفوائد والناس اقتضت استيطانا ومزارع كما حصل في الأميركيتين، وتجارة كما حصل في الهند، وتبدلات عالمية هائلة في السكان، وهي عمليات أنشأت حالة ما بعد الاستعمار، فقد واجه الاستعمار تحديات متواصلة على مدى ثلاثة قرون إلى أن أمكن تفكيكه.

لقد أظهرت دراسات ما بعد الاستعمار أن العملية الاستعمارية غيرت كلا من طرفي الاستعمار تغييرا عميقا، فيقول فرانس فانون في كتابه المهم "المعذبون في الأرض": هذا العالم مقسوم إلى قسمين يقطنه نوعان مختلفان، إن أصالة السياق الاستعماري هو أن الواقع الاقتصادي والتفاوت والاختلاف الهائل في طرق الحياة لا يخفي أبدا الواقع البشري، وحينما تفحص السياق الاستعماري في جهات قريبة يبدو بينا أن ما يقسم العالم هو أن تبدأ بحقيقة الانتماء أو عدم الانتماء إلى عرق محدد أو نوع محدد، الأساس الاقتصادي في المستعمرات هو البنية الفوقية، السبب هو النتيجة، أنت غني لأنك أبيض، وأنت أبيض لأنك غني.

كان الاستعمار الوسيلة التي أنجزت الرأسمالية من خلال توسعها العالمي، وتبعا لذلك فقد نشأت العنصرية وكانت القناة التي من خلالها تم استغلال عمل الشعب المستعمر.

ويلاحظ عالم الاجتماع جون ريكس أن الرأسمالية في جنوب أفريقيا أنشئت من خلال العمل المفروض على شعوب البانتو، فكانت العلاقات العرقية مهمة في توفير قوة عاملة. لقد كان العرق والعنصرية هما القاعدة التي يفرض على أساسها العمل ليكون في خدمة المستعمر، وهكذا ازدهرت وتطورت النظريات العنصرية.

ومن أمثلة هذه النظريات العنصرية رأي إرنست رينان القائل: صنعت الطبيعة عرقا من العمال هو العرق الصيني الذي يتمتع ببراعة يدوية مذهلة، وليس لديه تقريبا أي إحساس بالشرف، احكمهم بالعدل وستجبي منهم مقابل بركة هذه الحكومة مبلغا ضخما للعرق الفاتح وهم راضون، وعرقا من فلاحي الأرض هو العرق الزنجي، وعرقا من السادة والجنود وهو العرق الأوروبي، أخضع هذا العرق النبيل للعمل كالزنوج والصينيين فسوف يثورون، ولكن الحياة التي يثور عليها عالمنا تجعل الصيني أو الفلاح سعيدا لأنهم ليسوا مخلوقات عسكرية على الإطلاق، فليقم كل امرئ بما خلق من أجله، وسيكون كل شيء على ما يرام.

وكما تحافظ على التباينات الاقتصادية نظريات أيديولوجية عرقية فإن العنصرية تساعد على بناء التوسع الرأسمالي، وكان ذلك ضروريا لتلافي النظم القانونية المنحازة انحيازا صارخا.

يقول جون ريكس: حينما يتعذر دعم النظام الاجتماعي بالمراسيم القانونية عليه أن يعتمد على غرس فكرة تفوق المستغِلين ونقص المستغَلين في عقول كل من المستغِلين والمستغَلين، وهكذا يمكن المحاججة بأن عقيدة المساواة من حيث الفرصة الاقتصادية وعقيدة التفوق والنقص العرقي تتممان بعضهما بعضا، تعمل العنصرية على ردم الهوة بين النظرية والتطبيق.

وهذا لا يعني بالطبع القول إن استخدام القوة يتوقف بتحرير العبيد، ففي بعض الدول مثل جنوب أفريقيا تستخدم القوة بمنهجية منظمة على مستوى سياسي لضمان استمرار تفوق العرق الأبيض.

التعليق