القوة الناعمة للأمم المتحدة

تم نشره في الخميس 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 02:00 صباحاً

ألغى جوزيف ستالين أهمية "القوة اللينة" عندما سأل "كم يمتلك البابا من القوات؟" وفي يومنا هذا، يلغي كثير من الواقعيين أهمية الأمم المتحدة ويعتبرونها منزوعة القوى، ويعتقدون بإمكانية تجاهلها، إنهم مخطئون.

تعني القوة القدرة على التأثير على الآخرين لكي ينتجوا ما يريده المرء. وتعمل القوة الصلبة من خلال الدفع والإكراه (أو مبدأ الجزرة والعصا)؛ وتعمل القوة اللينة من خلال الجذب والخيار المشترك. ودون قوى تمتلكها مباشرة وضمن ميزانية ضئيلة نسبياً، تمتلك الأمم المتحدة قوى صلبة بمقدار ما يمكنها أن تستعيره من دولها الأعضاء. لقد تم تأسيسها في عام 1945 لتكون خادماً لهذه الدول، وتحمي المادة 2.7 من ميثاقها استقلالية السلطات القضائية لأعضائها.

وبعد فشل عصبة الأمم في الثلاثينيات من القرن الماضي (1930)، صممت الأمم المتحدة ليكون الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن بمثابة رجال الأمن المسؤولين عن الأمن الجمعي ككل. وعندما اتفقت القوى العظمى، امتلكت الأمم المتحدة قوى صلبة مذهلة، الأمر الذي تمثل في الحرب الكورية وفي حرب الخليج الأولى. ولكن كانت مثل هذه الحالات استثناءً. إذ كان مجلس الأمن منقسماً على نفسه أثناء الحرب الباردة. وكما وصفه أحد الخبراء: كان فيتو الأعضاء الدائمين بمثابة علبة الصمامات الكهربائية في النظام الكهربائي؛ من الأفضل أن تنقطع الأنوار لبرهة بدلاً من أن يحترق البيت كله.

وعلى الرغم من هذه القيود، تمتلك الأمم المتحدة قوى لينة لا يستهان بها تتولد من قدرتها على شرعنة أفعال أعضائها، وخصوصاً ما تعلق منها باستخدام القوة. إذ لا يحيى الناس بقوة الكلمة وحدها في نفس الوقت الذي لا يمكننا أن نقول بأنهم يحيون كلياً بقوة السيف. وعلى سبيل المثال، لم تستطع الأمم المتحدة أن تمنع اجتياح العراق في عام 2003، ولكن عدم موافقتها رفع وبفداحة تكاليف وخسائر الدولتين البريطانية والأميركية.

عندها، حاول بعض القادة الأميركيون أن ينزعوا شرعية الأمم المتحدة ونادوا باتحاد بديل للديمقراطيات. ولكنهم أغفلوا المعنى الحقيقي الذي يقول بأن السياسات التي اتبعت في العراق ساهمت بتفريق هذه الديمقراطيات، وبأن العضوية العالمية للأمم المتحدة أبقتها مصدراً هاماً للشرعية في عيون معظم العالم.

لقد كان الضرر الأكبر الذي أصاب الأمم المتحدة داخلياً. وعلى سبيل المثال وخلال السنوات القليلة الماضية أنتجت سياسات المنع الداخلية بين الدول الأعضاء مجلس حقوق إنسان مهتم بشكل سقيم بالإجراءات العادلة أو وجود حقوق إنسان من أصلها. وبالمثل، ساهمت قلة الفعالية الإدارية في الأداء السيئ لتنفيذ جهود عالية المستوى مثل برنامج النفط مقابل الغذاء.

يتضمن عمل الأمين العام للأمم المتحدة القليل جداً من القوة الصلبة، ولكن بعض الناس أداروا هذا المنصب بفاعلية عالية فاستخدموا القوة اللينة التي يمتلكونها في تفعيل القوة الصلبة للحكومات الأعضاء. وعلى سبيل المثال، استطاع داغ هامارسكوجولد أن يغتنم فرصة أزمة السويس التي سببها غزو بريطانيا وفرنسا لمصر في عام 1956 لكي يحفز الحكومات على خلق قوات حفظ السلام- وهي مؤسسة ليست مذكورة في الميثاق الرئيسي للأمم المتحدة. وخلال الصفعة التي تلقتها الأمم المتحدة في فشلها في منع الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في رواندا وكوسوفو في التسعينيات، عمل كوفي عنان مع غيره من أجل دفع الحكومات لكي تتحمل مسؤولية جديدة في حماية الشعوب المهددة بالخطر.

ولكن لمثل هذه المبادرات حدودها. بعد الحرب الإسرائيلية اللبنانية في صيف عام 2006، التفتت الدول مرة أخرى إلى قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام تماماً مثلما فعلت في الكونغو ودارفور. ولكن وعلى الرغم من وجود ما يزيد على 100.000 من القوات متعددة الجنسية التي تخدم في قوات حفظ السلام حول العالم، إلا أن الدول الأعضاء لا تقدم المصادر المناسبة أو التدريب أو المعدات. وعلاوة على ذلك وجدت الدول الكثير من الطرق لتأخير التحرك العالمي الفعال، كما هي الحال في السودان. إذ ما يزال علينا أن ننتظر الوقت الذي تجد فيه الصين نفسها مستعدة لزيادة الضغط على السودان دون أن لا يهدد هذا الفعل تجارة النفط المتبادلة بينهما بما يهدد أولمبياد الـ2008 الذي سيقام على الأراضي الصينية.

وبالمثل، وبينما اتفق المجلس العام على أن الدول تتحمل "مسؤولية الحماية" لم يوافق الكثير من الأعضاء إلا بشكل محدود على هذه الفكرة. ومنها كثير من الدول النامية، غيرة منها وحرصاً على استقلاليتها وخوفاً من أن يؤثر هذا التوجه الجديد على هذه الاستقلالية. وعلى سبيل المثال، وبعد انهيار الحكومة مؤخراً في ميانمار (بورما)، استطاع الأمين العام أن يرسل ممثلاً عن الأمم المتحدة إلى البلاد، ولكن بقوى محدودة بإرسال التقارير ومحاولة التوسط بين الأطراف المتنازعة. قد يكون هذا كافياً بالنسبة لبعض الدول ولكنه لم يردع الحكومة البورمية عن طرد ممثل الأمم المتحدة عندما حذر من "تدهور الوضع الإنساني".

تمتلك الأم المتحدة قوىً لا يستهان بها -صلبة كانت أم لينة- في حال اتفقت الدول على السياسات المذكورة في الفصل السابع من المادة: تمتلك الأمم المتحدة قوة لينة متواضعة ولكن مفيدة في حال عدم اتفاق القوى العظمى ولكن مع إرادتها للانصياع للتحرك العام. بينما تمتلك الأمم المتحدة القليل جداً من القوة في حال عارضت القوى العظمى تحركاً ما. أو في حال دفعت هذه القوى الدول الأعضاء لتجاهل الدعوات بـ"مسؤولية الحماية." وفي مثل هذه الحالات ليس هناك من معنى للوم الأمم المتحدة. إن القوة اللينة حقيقية، ولكن لها حدودها. ولا يكمن الخطأ في الأمم المتحدة وإنما يكمن في قلة اتفاق دولها الأعضاء.

جوزيف إس ناي، هو بروفيسور متميز في مجال الخدمات في جامعة هارفرد، وهو مؤلف كتاب القوة اللينة- وسائل النجاح في السياسة العالمية.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجكت سينديكيت

التعليق