نقابة الأطباء والمسؤولية

تم نشره في الاثنين 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 03:00 صباحاً

"الخطأ الطبي" و"المسؤولية الطبية" و"حقوق المريض" مصطلحات تتكرر وتكاد لا تخلو منها صحيفة يومية او اسبوعية اردنية، وهي ظاهرة طبيعية ليس في بلادنا فحسب، بل وفي معظم ان لم نقل، كل بلدان العالم،كبيرة وصغيرة،المتقدم منها والنامي.

ما دفعني للكتابة في هذا الموضوع ما نشر في"الغد"، بتاريخ 7 تشرين الثاني الحالي بعنوان:"غياب المساءلة الطبية" للكاتب المتميز والصديق أيمن الصفدي.

ولتوضيح الحقيقة في هذه المسألة الحيوية التي شغلت ولا تزال بال الجمهور والاعلام،بل والمسؤولين والاطباء على حد سواء،لا بد من طرح الملاحظات التالية:

اولا: المهنة الطبية مهنة حساسة ومعقدة كونها تتعامل مع صحة الانسان،ومن هنا اكتسبت خصوصيتها وتميزها،واي حديث حول الخطأ او الاهمال يحدث صدى هائلا ومسموعا لارتباطه المباشر والتلقائي بالحياة الانسانية.وتطغى العاطفة والتفاعل العفوي الصادق مع الخبر او الحدث،دون ان يُترك مكان للعقل والتفكير والتحليل.

ثانيا: ان جسم الانسان ووظائف اعضائه وأجهزته المختلفة معقد الى درجة لا يمكن لشخص الإلمام بها وبخفاياها مهما كان متمرسا وصاحب خبرة وعلم. وقد يتخذ المرض الواحد مسارات مختلفة عند اشخاص مختلفين، وذلك يعتمد على مجموعة كبيرة من العوامل والخصوصيات البيولوجية لكل واحد فينا، فالانفلونزا التي تصيب معظمنا قد تمر بسهولة دون تأثيرات جانبية هامة،لكنها قد تكون قاتلة في حالات معينة،وبخاصة عند بعض المرضى الذين يعانون من نقص شديد في المناعة وغيرها من الامراض المزمنة والخطيرة.

من هنا جاء اتفاق العلماء والباحثين المتخصصين في العالم المتقدم على ضرورة التفريق بين الخطأ الطبي الذي يحاسب عليه الطبيب وبين المضاعفة الطبية المحتملة - أوالعارض الطبي- التي لا يمكن تفاديها ولا تعرض الطبيب عند حدوثها للمساءلة الطبية، والتفريق بين هذه المصطلحات ضروري بالغ الاهمية لكل المتعلمين والمهتمين بمسألة المساءلة على الاخطاء الطبية.

ثالثا: ان قانون نقابة الاطباء الاردنية، التي تأسست قبل اكثر من نصف قرن وتعتبر الأكثر تميزا من حيث ادائها وسمعتها محليا وعربيا، يحتوي على نظام متكامل للمساءلة الطبية حماية للمريض وحقوقه يمثل محكمة حقيقية من لجان التحقيق في الشكاوى ومجالس التأديب التي يرأسها النقيب ويسمي نصف اعضائها وزير الصحة. اما مجلس التأديب الاعلى فيرأسه وزير الصحة ويُسمّى اعضاؤه مناصفة من قبل الوزير والنقيب، اما المحطة الاخيرة فهي محكمة العدل العليا، ومن لا يريد من المواطنين الاحتكام الى النقابة فبإمكانه اللجوء الى القضاء، كما بإمكانه الذهاب الى القضاء بعد قرار النقابة.

المشكلة هنا ليست بالنسبة للمريض، بل للطبيب الذي كثيرا ما يتم توقيفه من قبل القضاء قبل ادانته، ولا احد يقوم بإعادة الاعتبار المهني والاجتماعي والمادي له بعد تبرئته.

رابعا: على الرغم من وجود هذه النصوص والانظمة والقوانين لحماية المريض ومحاسبة الطبيب على اخطائه ان حصلت، فإن الرأي العام في غالبيته، وللأسف والاعلاميون جزء منه، لا يثقون بحيادية وكفاءة قوانين النقابة، مع ان الاخيرة بمجالسها ولجانها المتعاقبة والحالية صارمة وموضوعية ولا تنحاز للطبيب كما يحلو للبعض تصوره، واتُخِذت العديد من القرارات التأديبية من التنبيه الى اغلاق العيادة والغرامة،التي يمكن ان يستفيد منها المريض لصالحه في القضاء، لكننا والحالة هذه لا نستطيع ان نجر الناس الى الجنة بالسلاسل، ومن حق المريض ان يطالب "بالحماية" ما دمنا فشلنا في اقناعه والفوز بثقته.

خامسا: لقد شاركت النقابة ومنذ العام الماضي في اللجنة الوطنية لصياغة قانون جديد "للمسؤولية الطبية" الى جانب ممثلي وزارة الصحة والجامعات الاردنية، وأُنجِزت مسودة مشروع القانون الذي يتضمن بنودا تحفظ حقوق اطراف المعادلة: الطبيب- المريض، من بينها تجديد معنى مصطلحات:"الخطأ الطبي" و"المضاعفة الطبية" و"الحدث الطبي" وعدم توقيف الطبيب المشتكى عليه قبل ادانته،وتشكيل لجنة فنية من اصحاب الخبرة والنزاهة والموضوعية لاعطاء الرأي الفني في الحالة موضوع الشكوى وتحويل توصياتها الى الوزير الذي يرفعها بدوره للقضاء الذي يجب ان يكون على دراية واطلاع على خصوصية المهنة الطبية (قضاء متخصص)، وايجاد صندوق تكافلي في نقابة الاطباء لتعويض المرضى عن الضرر بسبب الخطأ غير المقصود، اي ايجاد نظام مساءلة اردني، وليس على النمط الاميركي الذي يشكو منه اطباء اميركا واثبت فشله،ولم يُسهم في خفض حالات الخطأ الطبي (في اميركا يموت سنويا حوالي 80-100 ألف مريض بسبب الخطأ الطبي).

سادسا: لا بد ان نبين للجمهور وللمسؤولين والمعنيين الاخرين أنّ هنالك شركات تأمين في بلادنا متحمسة فوق العادة لقانون المساءلة الطبية يحركها في ذلك - كما يبدو- رغبتها في الاستفادة القصوى من هكذا مشروع من خلال التأمين ضد الخطأ الطبي،وعملت هذه الشركات كل ما تستطيع - ونعترف انها صاحبة نفوذ- من اجل الضغط خلال السنوات السبع الماضية لإخراج هذا المشروع وفق مصلحتها، لكننا نريد ان نطمئنها انّ الجسم الطبي لم ولن يقبل ان تتحول مسألة المساءلة الطبية التي يجب ان تكون للحفاظ على حقوق ومصالح المريض والطبيب في آن واحد، الى وسيلة لزيادة الارباح دون ان يستفيد من ذلك لا المريض ولا المهنة الطبية. وهذا ما تم التوافق عليه بين اطراف اللجنة الوطنية التي اعدت مسودة مشروع المساءلة الطبية.

واخيرا بقي ان نشير الى اننا الان بصدد عقد ورشة عمل وطنية موسعة تضم ممثلي كافة الفئات والاطراف من الاطباء والمسؤولين والاعلاميين ومؤسسات المجتمع المدني والقضاء، وكل من له علاقة مباشرة او غير مباشرة بهذه القضية التي لا تزال تمثل مكانة متقدمة في سلم اولويات المجتمع ووسائل الاعلام،علّنا نستطيع الخروج بوثيقة موضوعية مدروسة بعناية، عادلة تحفظ حقوق ومصالح جميع اطراف المعادلة العلاجية، مما لا يؤثر سلبا على تطور وتقدم المهنة الطبية في بلادنا.

أمّا اذا استمرت محاولات محاصرة الطبيب في عمله ومهنته فالخوف حينها ان يتحول الى انسان آلي ينفذ تعليمات وبرامج وبرتوكولات ستفرغ المهنة تدريجيا من محتواها الانساني والابداعي الخلاق ما سينعكس سلبا على المريض لا محالة.

نقيب الأطباء

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »You are great ya Zuhair (Khaled Salaymeh)

    الاثنين 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2007.
    Salamat Dr. Zuhair.

    Thank you for your great article. I read it all. I agree with you 100%. I am a doctor in Amman for 7 years and I was trained in America. and I fully support you in all your efforts to improve our medical practice and protect the patient and the doctor at same level. You are on the right track ya Zuhair.