إبراهيم غرايبة

الفصل بين النيابة والوزارة

تم نشره في الاثنين 29 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 03:00 صباحاً

بدأ الفصل بين النيابة والوزارة عام 1997 بعدما طبقت تجربة إسناد عدد من الوزارات يصل إلى النصف أو أكثر إلى النواب لدورتين انتخابيتين (1989– 1997) ولاقت الفكرة ترحيبا بسبب السلبيات الكثيرة التي رافقت استيزار النواب.لكن اليوم بعد عشر سنوات من تجربة تطبيق الفصل بين النيابة والوزارة فإن عملية الفصل تبدو تحمل كثيرا من السلبيات والمشكلات التي تفوق سلبيات الجمع بين النيابة والوزارة.

بعد الفصل بين النيابة والوزارة لم يعد النجاح في الانتخابات النيابية المحطة الأكثر أهمية في التقدم السياسي والاجتماعي في حراك النخب والقيادات في المجتمع والدولة، وصار ممكنا لكثير من "سعيدي الحظ" الذين لا يملكون فرصة للنجاح في الانتخابات أن يتقدموا في الحياة السياسية أكثر من القادة المنتخبين،وجعلت هذه السياسة كثيرا من الوزراء في عزلة عن المجتمع والطبقات الاجتماعية والمهنية،ولم يعودوا يعبرون عن مصالح ومجموعات مهمة وفاعلة في المجتمع،أو لم يعد ذلك ضروريا،وهذا ما يفسر(ربما) ظاهرة ضعف القادة السياسيين الذين يملكون حضورا كاريزميا وتأثيرا اجتماعيا وسياسيا،وانتهت تقريبا ظاهرة هؤلاء القادة الذين ظهروا بوضوح في المرحلة بين عامي (1989– 1997) مثل عبدالرؤوف الروابدة، وعبدالهادي المجالي، وعبدالكريم الكباريتي، وعبدالكريم الدغمي، وعبداللطيف عربيات، وأحمد الأزايدة، وليث شبيلات، وتوجان فيصل، وطاهر المصري، وغيرهم، وإن بقي بعضهم حاضرا ومؤثرا في الحياة السياسية اليوم فهو حضور قائم ومستمد من الرصيد الذي تشكل في مرحلة الجمع بين النيابة والوزارة.

وهناك أيضا عدد آخر ليس قليلا من الشخصيات السياسية الذين أدوا دورا بارزا في الحكومة والسياسة،وبدأ دورهم هذا بنجاحهم في الانتخابات النيابية، مثل سمير الحباشنة، ومحمد داودية، وبسام العموش، ونادر الظهيرات، وعبد الرزاق طبيشات، وآخرين كانوا قبل الانتخابات النيابية يشغلون مواقع وأنشطة في العمل النقابي والاجتماعي ضمن شبكة المجتمعات والأعمال.ولنلاحظ أن جميع الأمثلة السابقة تنتمي إلى فئة النواب الذين نجحوا في عامي 1989، 1993 ولم تكن المجالس اللاحقة أقل شأنا في هذا المجال،فقد أوصلت إلى المجلس عشرات الشباب العصاميين من قيادات ونشطاء الطبقات الوسطى من الأطباء والمهندسين والأساتذة الجامعيين والإعلاميين وقادة المجتمع والموظفين وضباط الجيش السابقين،وكان لكثير منهم حضور لافت ومهم في العمل النيابي،ولكن الفصل بين النيابة والوزارة حال بين هؤلاء وبين مواصلة التقدم السياسي.

الأزمة الاجتماعية الكبرى الناشئة عن سياسة الفصل بين النيابة والوزارة أنها أوقفت أو أضعفت حراك النخب،وأضعفت فرص المجتمعات والطبقات الوسطى في التعبير عن نفسها بالحضور الوزاري والقيادي في المجتمع والدولة،وغيبت معيارا عادلا وضروريا للتقدم القيادي وهو الانتخابات النيابية، فلم يعد النجاح في الانتخابات النيابة معيارا أساسيا في تشكيل الحكومات.

صحيح أن الجمع بين النيابة والوزارة كان له سلبيات كثيرة ومزعجة،لكنه على سلبياته يبقى هو الأكثر عدالة في الاختيار والتنافس والتقدم،ويظل مدخلا أساسيا ومقبولا،وربما وحيدا ليتقدم المواطنون العصاميون ممن لم يحظوا بدعم سياسي أو مالي أو أسري ليتقدموا على أساس كفاءتهم وقدراتهم المهنية والقيادية.

ولذلك فإن عودة تشكيل الحكومات لتضم عددا من النواب بحدود النصف تبقى ضرورية لإتاحة المجال لظهور قادة سياسيين مؤثرين وكارزميين يجمعون بين الخبرة السياسية والمهنية وبين القبول والتأييد الشعبي والاجتماعي.

فالوزير الذي يعجز بعد سنتين على الأكثر من توليه منصبه عن النجاح في الانتخابات النيابية يجب ألا يتولى هذا المنصب مرة أخرى حتى لو كان وزيرا عبقريا وناجحا في تخصصه لأن الوزارة أولا منصب سياسي وليس تقنيا،ويستطيع مجلس الوزراء توظيف أفضل الكفاءات والتخصصات الفنية والاستفادة منها بدون توزيرها.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق