ياسر أبو هلالة

قوانين الانتخاب ارتجالا

تم نشره في الخميس 25 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 03:00 صباحاً

أخف ما في حجج الرافضين لتعديل قانون الصوت الواحد المجزوء اعتبار تعديله غير دستوري! وحجة كهذه تعني ببساطة أن الدستور الأردني أقر عام 1993 بقانون مؤقت. والواقع أن القانون المسؤول الأول عما حاق بالحياة السياسية من خراب لا علاقة له بالدستور من قريب أو بعيد. مع أن قوانين الانتخاب في كل الدول تعتبر الرحم الحقيقي للدساتير.

بل إن المواد الأولى في الدستور الأميركي ما هي إلا قانون انتخاب -هذا قديما- أما تبدل الدول والأنظمة في العصر الحديث؛ دول الاشتراكية سابقا في الثمانينيات والجزائر وفلسطين وأفغانستان والعراق في تخوم الألفية الثانية، فكان قانون الانتخاب سابقا على الدستور أو متوازيا معه أو جزءا منه.

لا توجد في الإقليم دولة مستقرة مثل الأردن، ومسألة تعديل الدستور أو قانون الانتخاب، ضرب من الارتجال السياسي. لا يوجد قانون انتخاب مثالي، لكن هل كان ثمة ضرورة قاهرة عام 1993 تدعو إلى حل مجلس النواب وتغيير النظام الانتخابي الذي عرفته الدولة منذ تشكلت؟.

كان ثمة "مستشارون" يعتقدون أن معاهدة السلام لن تمر في ظل مجلس نيابي معبر عن أكثرية الشارع الأردني، فكان لا بد من تدمير تلك الأكثرية بالقانون. ليس صحيحا ذلك فحكومة طاهر المصري وما تلاها من حكومات شاركت في العملية السلمية حصلت على ثقة مجلس النواب المنتخب من خلال القائمة.

وجد قانون الصوت الواحد المجزوء من يدافع عنه، فهو قانون يخدم الشخصيات الفردية. حتى الشخصيات التي تعمل على مستوى محلي واسع لا تجد فرصتها فيه، فمن يخدم محافظة لا يجد فرصة أمام من يخدم عشيرة ذات عصبية، أو إثنية أو طائفة دون غيرها. كنت تقرأ لمن يقول أنه لا يحق للصوت المسلم أن يحسم التصويت للمقعد المسيحي، وهذا منتهى العنصرية والطائفية. فالمواطنة تعني أن يحسم المسيحي ولو قل عدده في المقعد المسلم وأن يحسم المسلم في المقعد المسيحي ولو كثر عدده. وفي التطبيق العملي وجدنا أن المسألة لا علاقة لها بالتعداد، فالمسيحيون ساهموا في إنجاح مسلمين والعكس حصل لأسباب سياسية، وعلى مستوى وطني كنت تجد عشائر صغيرة يصل مرشحوها على حساب عشائر كبيرة بسبب التحالفات السياسية.

تحارب بعض النخب لغة السياسة وتكرس مكانها لغة بدائية تخاطب الغرائز العنصرية في البشر طبعا بقناع من الحداثة لا يخفي بشاعتها. ومن يدرس التاريخ الأردني يجد أن السياسة ترفع أقواما وتضع آخرين، وأن الآخرين لم يستسلموا عقب عام 1989، وإنما ناضلوا وصولا إلى حل مجلس النواب عام 1993، وإقرار قانون الصوت الواحد المجزوء بشكل غير دستوري، وهو قانون أوصل إلى مجلس النواب شخصيات ما كان بعضها ليفوز في مجلس قروي. وبات مطلوبا من منتجات تلك الحقبة غير الدستورية إنتاج حياة دستورية عصرية، وأنَى لهم ذلك؟.

كلما نقترب من يوم الانتخابات ندرك كم تجزَأنا بفعل قانون الانتخاب. ليس لأن المرشحين السياسيين لا يجدون من يحالفون، لكن لأن العشائر نفسها صغرت أم كبرت تدرك حجم التشظي الذي حل بها نتيجة اختراق الإجماع. والكل يعرف مدى ديموقراطية الإجماع العشائري القائم على الدور والمخاجلة والضغوطات والإكراهات والحسابات الصغيرة جدا.

ومن يتابع الانتخابات في المناطق الأقل عشائرية يجد ما هو أسوأ، ففي دائرة توصف بأنها سياسية تجد من يشتري الذمم يحدثك حديث الوطنيين الأحرار، وتنتعش بورصة الأصوات والنقل. وتقام المضارب في رمزية تهدف إلى ما عرف في علم الاجتماع العربي "ترييف المدينة" ولا تجد ندوة انتخابية يتساجل فيها المرشحون حول برامجهم.

في آخر النفق بصيص ضوء، فالناخب لا يعكس سوء بعض المرشحين، وهو في ظل حيرته قادر على الأقل على إفشال "القائمة السوداء". وإن كان عاجزا عن إيصال أكثرية تمثله. القائمة السوداء هي كل مرشح يدعو إلى عصبية عشائرية أو طائفية أو إثنية ويحارب المواطنة. القائمة السوداء تعني مقاولي الأصوات الذين يعتقدون أن مواقف الناس خاضعة لمنطق البورصة في العرض والطلب. تلك القائمة محاربتها أوجب الواجبات.

أما من ينتخب الناس فهم قادرون على تمييز أصحاب الرأي والموقف والبرنامج، في اليسار كانوا أم اليمين، في المحافظة أم الانفتاح كل سواء. وإن أفلتت من قانون التجزيء أكثرية بمواصفات كهذه فإن أول أولياتها قانون انتخاب جديد. قانون يبتعد عن الارتجال ويرصد السجالات التي بدأت في الميثاق الوطني ولم تنته بالأجندة الوطنية.

أما إن وصلت "القائمة السوداء" فكل ما نطلبه منها تعديل بسيط على قانون الانتخاب يضع آلية لتسعير الصوت مربوطة بالبورصة تمنع استغلال الوسطاء والسماسرة عشية الانتتخابات!.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حافز لتقوية الاحزاب (محمد علي)

    الجمعة 26 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    للعلم اخ ياسر فان جبهة العمل الاسلامي تعتمد على البعد العشائري عند اختيار مرشحيها للنيابة.
    برائي ان الحزب اذا لم يستطع التفوق على العشارية بطروحاته فالعشائرية افضل منه لان نجاح الاحزاب الضعيفه معناه ان تصبح تلك الاحزاب اداة لمن يدفع اكثر مما يؤدي فشل تام للحياة البرلمانية. لذلك فالصوت الواحد هو حافز لتقوية الاحزاب على المدى الطويل.
  • »قانون ناقص (د. حسين المجالي)

    الخميس 25 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    أخي ياسر
    أشكرك على مقالتك
    وأنت تعلم من وضع نظام الصوت الواحد وعممه على الجامعات للحد من سيطرة قوى فاعلة في البرلمان أو اتحادات الطلبة، وللسماح لإبن العشيرة والذي قد يكون غير كفؤا للوصول إلى أخطر سلطة وهي السلطة التشريعية
    على العموم لا أريد الخوض في هذا الموضوع الآن ولكن أرغب في طرح بعض الطروحات لتحسين آليات قانون الانتخاب ومنها:
    1- اشتراط حد أدنى من الثقافة العلمية/ بكالوريوس مثلا. لأنه لا يجوزأن يمثل السلطة التشريعية للأمة أميين أو غير مثقفين وغير متخصصين في عملهم التشريعي.
    2- اشتراط سن لا يزيد مثلا عن 67 عام كي لا يدخل الفائز في الانتخابات في السن ال 71 وهو لا زال في العام الأخير من دورة المجلس
    3- أن لا يترشح الفائز لدورتين متتاليتين مرة ثالثة، لفسح المجال أمام دماء جديدة.
    4- البت في الطعون المقدّمة للمجلس لا بد أن يتم من خلال السلطة القضائية وليس من المجلس المنتخب الذي لم يقبل في تاريخه طعنا واحدا.
    5- أن يحكم القضاء وبكل صرامة وحزم في قضايا المال السياسي وشراء الذمم والأصوات.
    6- مراقبة نقل تسجيل الإقامات من دائرة لأخرى ومحاكمة المتسببين في ذلك وتجريمهم هم والذين قبلوا بعملية النقل لترجيح كفّة مترشح على آخر.
    هذه جملة أخي ياسر من المقترحات أرجو أن تصيغها في مقال جديد تبرأة للذمة أمام الامة. وشكرا
  • »إنتخابات (مجدي البدارين)

    الخميس 25 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    الأخ ياسر:
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أنا أتفق مع الأخ منصور في أنك تمتلك موهبه رائعه و الحمدلله أنك وظفتها في خدمة الوطن و المواطن.
    أود أن اضيف معلومة عن الإنتخابات فأقول أنه من خلال مشاهداتي و إختلاطي مع الكثير من المواطنين وجدت أن الغالبية العظمى و بنسبة تصل إلى 90% لن تمارس حقها في التصويت...وهذا سببه بتصوري هو إيمان الناس أن جميع المرشحين يسعون إلى المنصب و الجاه...وهذا ما يؤكده الحملات الإعلاميةالضخمة المسعورة في تصوير المرشح بأنه هو الرجل المناسب لهذا المكان، ومن تجارب الإنتخابات السابقة تيقنت الناس أن هذا كله هراء.
    أما ال 10% التي سوف تنتخب فهي إما لحسابات إنتقامية أو ...؟ واللبيب من الإشارة يفهم.
    ودمتم
  • »عقبات الاصلاح السياسي (عبدالله الصابر)

    الخميس 25 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    لا يمكن صياغة قانون انتخابي فاعل بدون وجود ارادة سياسية حقيقية قادرة على بدء اصلاح سياسي واقعي ، لكن هناك عقبتين تقف امامهما ؟اي عملية اصلاح الأولى ( التخوف من فوز كبير للإسلاميين ) فهناك تصور أن اي اصلاح بقانون الانتخابات سينعكس بالضرورة ع7لى مساحة اكبر للإسلاميين - وهذا برأيي تخوف لا مبرر له ويجرى استخدامه كفزاعة للحيلولة دون وجود قانون انتخاب عادل - فالإسلامييون في الاردن - وقد يكون امرا سلبيا - يدركون حجم المساحة المتاحة لهم والتي يمكن ان يحصلوا عليها فهم لن يتقدموا بيوم من الأيام عدد مرشحين يتجاوز 51% في اي انتخابات نيابية أو بلدية ، العائق الثاني هو ما يسمى بالهوية الأردنية أي ان هناك تخوف من أن أي قانون انتخابي عادل يعتمد مثلا على مقعد لكل 50 الف ناخب سيعزز وصول عدد كبير من ذوي الاصول الفلسطينية للبرلمان بنسبة قد تؤثر على الهوية الأردنية - رغم ان هذا المصطلح قابل لتأويلات لا نهائية - لكن برأيي أن هذا ايضا هو خوف لا مبرر له فالفلسطينيون وعبر سنوات طويلة يدركون أيضا حجم التمثيل المقبول لهم داخل الدولة الأردنية بما لا يخل بالطبقة السياسية وتوجهاتها , أي ان أي اردني من أصل فلسطيني لن يخرج يوما ليطالب بتمثيل أوسع اذا كان هناك برلمان قوي قادر ان يدافع عن حقوق المواطنين ويعمل على رفع المعاناة المعيشية لهم بغض النظر عن منابتهم فالفقر والغلاء والبطالة تقسو على كل الأردنيين ، برأيي ان هناك طبقة سياسية قد كونت مع الزمن مجموعة من المصالح المركبة وتعرف ان اي قانون انتخابي حقيقي سيكون خطر على مصالحها لذلك تدفع دائما باتجاه عكسي لكل اصلاح ... وحال ما جرى بالأجندة الوطنية ليس عنا ببعيد
    عبدالله الصابر
  • »رائع (منصور)

    الخميس 25 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    اصدقك القول استاذ ياسر انني ابدا يومي بقراءة مقالك , ثم اعود لأتصفح باقي الصحف والاخبار . كم هي مقالتك رائعة وصادقة , ما ابعدها عن النفاق . لقد وهبت قدرة على اختيار الموضوع واشباعه بحثا بأسلوب شيق وآسر .
    كم حري بمن هبط مستواه الاعلامي وباع قلمه بثمن بخس ان يتعلم منك , فمع صغر سنك الا انك اصبحت تمثل مدرسه رائعة .
  • »انتخابات (نضال علي)

    الخميس 25 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    الاخ ياسر
    تحية طيبه ، وعودة الى الانتخابات ، في كل دول العالم يوضع قانون انتخابات اما نحن فلا زلنا امام قانون مؤقت ، ولا ادري لما ، لماذا لا يكون لدينا برلمان مثل الاخرين ، في فلسطين قبل اجهاض التجربه كان هناك انتخابات مثاليه في ظل حراب الاحتلال ، ونحن لغاية الان لم نخض تجربة منذ سنوات تفرز نوابا للأمه وليس نواب مصالح ومتقاعدين امن ، بالله عليكم نريد مجلس يقر قوانين لصالح ناخبيه وليس قوانين حكوميه تفرض هكذا ، لسنا ضد الحكومه ولا ضد القوانين ولكن اليس المجالس انشأ لمناقشة القوانين واقرار ما هو في مصلحة المواطن ، وانتم تعلمون جيدا ان المواطن الاردني يرزح تحت اعباء الغلاء والبلاء وقلة الدخل في عصر العولمه التي تتيح للغني وتحرم الفقير ، وعذرا لكل من سيخوض الانتخابات ولكل من سينجح او يفشل ، لن ادلي بصوتي ما لم يكن هناك قانون حديث وعصري