فرنسا في الحظيرة الأوروبية

تم نشره في الأربعاء 24 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 02:00 صباحاً

عندما غدا نيكولا ساركوزي رئيساً لفرنسا أعلن بأن بلاده فرنسا عادت إلى الركب الأوروبي. ومنذ ذلك الحين ألقى ساركوزي بنفسه في أتون السجال السياسي الأوروبي. وأسهمت طاقته - مجتمعة مع المهارات التفاوضية لرئيسة الوزراء الألمانية أنجيلا ميركيل- في التغلب على العدائية الموجهة إلى معاهدة إصلاح جديدة وأعادت الاتحاد الأوروبي مرة أخرى واقفاً على قدميه بعد سنتين من الغوص في مستنقع التردد.

ولكن هذا النصر لم يعن إلا عودة جزئية إلى كنف الاتحاد الأوروبي. إذ يجب على الفرنسيين أن يحلوا مشكلة موقفهم الملتبس تجاه أوروبا، الأمر الذي أثر على السياسات المحلية لعقود.

لنصف قرن، تعاملت فرنسا مع أوروبا ضمن نظرتين راديكاليتين متناقضتين؛ إذ يعتقد بعض الفرنسيين بأن الاتحاد الأوروبي ما هو إلا مجتمع تجمع فيه المصالح الوطنية للدول المشاركة فيه قسراً. وعلى الطرف المناقض يقبع الاعتقاد الغولي الذي يقول بأن الاتحاد الأوروبي ما هو إلا "مضاعف قوة" لفرنسا لكي تدافع عن مصالحها الوطنية. 

 

وعوضا عن استخدام أوروبا لعكس الأفكار الفرنسية عبر القارة، تحتاج فرنسا إلى تطوير ثقافة من تقاسم القوة والحلول الوسط. مثل هذا التحول العميق سيحمل تأثيرات عميقة على الساسية الفرنسية عبر هذا الطيف الواسع بدءا من العلاقات الداخلية للاتحاد الأوروبي والاقتصاديات انتهاء بالسياسة الخارجية ودور أوروبا في العالم.

وبالنظر إلى القوة التنفيذية الفرنسية، نجد الرئيس ووزراء الحكومة يتعاملون مع اوروبا على أنها محميتهم السياسية. في نفس الوقت الذي لا يحضر فيه رئيس الوزراء اجتماعات الاتحاد ويترك وزير الخارجية بشكل رتيب أمر اتخاذ القرارات الداخلية للاتحاد بيد وزير صغير في الدولة أو ممثل دبلوماسي.

في نفس الوقت الذي يقوم فيه وزراء آخرون بالمناورة حول تعليمات الدولة ليحصلوا في بروكسل على ما لم يحصلوا عليه في باريس. من الواضح بأن هناك حاجة شديدة لإيجاد نظام تصنيع قرار أفضل. وكبداية، يجب أن يعطى البرلمان الفرنسي دوراً أكبر ويجب أن ينتهي وزراء الدولة عن عادتهم في لوم بروكسل كلما أرادوا تقديم إصلاحات اجتماعية واقتصادية لا تلقى القبول الاجتماعي.

إن ساركوزي متلهف بشكل خاص إلى أن تسمع فرنسا ضمن مجال السياسة الاقتصادية. لقد اعتمد نصره الانتخابي بشكل كبير على خططه لإصلاح سوق العمل والترويج للعمل والإبداع. ولكن في حال أرادت فرنسا أن تأخذها أوروبا على محمل الجد، فإن على ساركوزي أن يقدم أكثر بكثير من النمو وفرص العمل. إن عليه أن يبين كيف أن فرنسا لن تتعامل مع أوروبا على أنها كبش الفداء المعتاد - خدعة تهمش فرنسا بالكاد في النقاشات الاقتصادية. وبالتالي، إن على المناظرات العنيفة المعادية للأثر المدمر "لليورو المرتفع" ولاستقلال البنك الأوروبي المركزي أن تتوقف.

ويجب أن تتحسن الاعتمادات المالية الفرنسية في حال أردنا أن تؤخذ وجهات نظر الوزراء الفرنسيين حول أمور الاتحاد المالية على محمل الجد. لقد مدت فرنسا ولسنوات أحد أكبر مصادر الإنفاق العام في أوروبا من خلال العجز في الميزانية، على الرغم من التزامها بموازنة دفاترها كجزء من معاهدة استقرار ونمو الاتحاد الأوروبي. ويخشى الكثير من الأوروبيين بأن لا تفي حكومة ساركوزي مرة أخرى بوعودها المتعلقة بالميزانية، وذلك لأن مطالبته من أجل تخفيض الضرائب الداعمة للنمو تقضي بدفع الموعد النهائي لكي تقضي فرنسا على عجزها إلى العام 2012.

وبشكل مشابه، سيتم امتحان الحكمة والتدبير الفرنسي بتمحيص خلال النقاشات حول إطار العمل الأوربي المالي الجديد، الأمر الذي سيختبر قدرة فرنسا على النظر إلى ميزانيات الاتحاد الأوروبي على أنها شيء بعيد كل البعد من أن يكون وسيلة لتوزيع النقد الأوروبي، وخصوصاً على المزارعين. إذا ما تزال السياسات الزراعية المعتادة مسؤولة عما يزيد على الـ 40% من مصروف المجتمع، على الرغم من أن قطاع المزارع مسؤول عن 2% فقط من العمالة.

أما بالنسبة للأمن العالمي، يبدو واضحاً بأن البلدان الأوروبية لا تشكل تأثيراً عالمياً إلا في حالة كلامها بصوت واحد. يجب على فرنسا أن تنظم علاقاتها مع حلف الناتو وأن توضح الدور الذي تنوي أن تلعبه في المنتديات العابرة للأطلسي. الأمر الذي يعني التخلي عن الفذلكات المعادية لأميركا والكلام عن "القوة الأوروبية"، الأمر فاقد المعنى بالنسبة لمعظم دول الاتحاد الأوروبي. لقد ولدت الخلافات الفرنسية الألمانية مع أميركا في العام 2003 انقسامات عميقة في الاتحاد الأوروبي. ولكن التغييرات الحاصلة في القيادات في بريطانيا وفرنسا وألمانيا علاوة على وصول الإدارة الأميركية الجديدة في بدايات العام 2009 يمكن أن تحسن التعاون عبر الأطلسي.

ومن ثم، يجب على فرنسا وأوربا بشكل عام أن تجد طريقة جديدة للتعامل مع روسيا. وهنا يواجه الاتحاد معضلة في هذا الموضع. هل يعتبر الاتحاد روسيا شريكاً قوياً أو جاراً معادياً؟ وفي حال طمحت فرنسا إلى أن تلعب دوراً ريادياً في العلاقات الأوروبية مع موسكو فإن عليها أن أكثر حساسية بكثير لمخاوف شرق ووسط أوروبا من روسيا. يستخف الساسة الفرنسيون بالأثر السلبي الذي يتركونه على هذه البلدان عندما يشيرون بشكل متكرر إلى محور باريس - برلين - موسكو في نفس الوقت الذي ينتقدون فيه الحماسة "المفرطة" للتحالفات الأطلسية.

سيحتاج ساركوزي أن يأخذ بكل هذه الأمور بالحسبان في حال رغب بأن تلعب فرنسا دوراً كاملاً في تشكيل مستقبل الاتحاد الأوروبي. يجب على النخب الفرنسية أن تتعلم من أخطاء الماضي وأن تجد طرقاً مناسبة للتعامل مع تحديات الحاضر. ويجب على الفرنسيين العاديين أن ينتبهوا إلى الكثير من الأمور؛ موقفنا تجاه السوق، علاقاتنا مع بقية أوروبا ووجهات نظرنا حول العالم خارج حدود أوروبا. في حال استطعنا أن نواجه حقائق اليوم، ستستطيع فرنسا أن تعود إلى أوروبا.

ثيري شوبان: هو رئيس الدراسات في مؤسسة روبرت شومان وهو بروفيسور في جامعة أوروبا في بروجيس.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجكت سينديكيت

التعليق