الفضائيات الإسلامية: قيم فاضلة وأزمة مهنية

تم نشره في الأحد 30 أيلول / سبتمبر 2007. 03:00 صباحاً

في عصر الصورة وفي ظل محاولات "تنميط الإعلام" ومع العولمة الثقافية للمجتمعات الإنسانية التي تعيش على وقع عصر الصورة التلفزيونية أو القنبلة الإعلامية التي أشار إليها عالم الاجتماع الفرنسي جورج بلاندييه بلفظة "هيمنة وسائل الإعلام" Mediacratie التي حولت كل شيء في مجتمعات الحداثة الفائضة المتعاظم شأنها، إلى قابل للفرجة، وفيها تحالفت القوة التقنية مع القوة الإعلامية لتؤلف مجتمعات أصبحت فيها الصورة التلفزيونية ظاهرة اجتماعية كلية تولد أحاسيس متناقضة تفشل طاقات التفكير الناقد وتروج لنمط ثقافي محدد او تبث فكرا محددا او توجه الناس نحو قناعات محددة، يأتي السؤال عن الفضائيات الإسلامية من حيث طبيعة الدور الذي تقوم به وأزمة المنافسة الشديدة بينها، ومرجعيتها الدينية وأثرها على جودة العمل وشروط المهنية الرفيعة التي لا يبدو ان الفضائيات الإسلامية تسير إليها بكل اقتدار.

يذهب الفرنسي كارل بونغ الباحث النفسي صاحب المدرسة المسماة باسمه إلى الاعتقاد بأن الإثارة العاطفية جزء من نشوء وانتشار أية ظاهرة او خبر ما او مجرد شائعة، والإثارة العاطفية او المرجعية العاطفية في مهارات علم الاتصال لا يمكن اعتمادها او تصنيفها ضمن معايير الاعتماد الخاصة بتقييم أية وسيلة إعلامية أو فضائية، ذلك ان المهنية والموضوعية والحياة التي تعد الثالوث القيمي للعمل الإعلامي تتراجع لا بل تسقط أمام مرجعية الأيدولوجيا او العاطفة الدينية.

امتاز عقد التسعينيات من القرن العشرين بانطلاق عدة محطات فضائية عربية بين متخصصة ومتنوعة وتجارية وغيرها، ولكن الفضائيات الدينية او الاسلامية تحديدا تكاد تكون ميزة نصف العقد الأول من الألفية الثالثة عربيا، اذ زادت المنافسة واشتد سباق القدرة على الانتشار بعد ان ثبت انه بالامكان الاستفادة من هذه الفضائيات إما لبث فكر معين او للفائدة التجارية او لإثارة البحث في قضايا فكرية محددة.

بوسع المشاهد العربي ان يطالع اليوم العديد من الفضائيات الإسلامية التي ليست بالضرورة هي بدائل شرعية او موازية للدور الذي يمكن ان تؤديه المؤسسة التقليدية للدين الاسلامي في المجمتع العربي وهذه المؤسسة نعني بها الاسرة والمدرسة والجامع والجامعة والبيئة، غير انها كفضائيات تعتبر جزءاً من المشهد العام الذي ازداد بعد انطلاق قناة الرسالة إلى جانب القنوات الدينية وأولها قناة اقرأ التابعة لشبكة ART  والتي تعد الاوسع انتشارا في عالم الاعلام الديني وهناك قناة المنار التابعة لحزب الله والتي هي لا تتبنى خطا دعويا او إرشاديا بقدر ما توظف لخدمة دور سياسي مغطى بمرجعية دينية لها اجندتها الخاصة من اجل جعل الحزب الذي تنطق باسمه فوق الدولة، وتتقارب قناة الرسالة مع خط قناتي المجد واقرأ ومصدر هذا التقارب ربما لتشابه فكر البرامج بين القناتين أو لبداية الرسالة بفريق اقرأ القديم.

تدل المقاربة الثقافية بين الفضائيات الإسلامية على أنها تتشابه في مصادرها وفي اهدافها العامة ولكنها تختلف في الاسلوب الذي تعمتده من أجل الوصول إلى مساحة انتشار زائدة، وهذا ما يتضح من خلال الاعتماد على فنانين في تقديم بعض البرامج او في نوعية البرامج الموجهة لشريحة الشباب المسلم واستثمار دعاة شباب جدد في ظل تراجع الدعاة التقليديين عن الساحة.

تستند الفضائيات العربية التي تتبنى نهجا إسلاميا، إلى مرجعية دينية بالضرورة، وهي مرجعية لا تتساوى مع افتراض مفاده أن الحرية الإعلامية هي المعيار الأول في العمل الاعلامي كما أن المهنية الموضوعية والاحتراف وشروط الكلمة الحرة هي أكبر من أن تحاط بأية تصورات مسبقة او ايدولوجيا حاكمة تقود المشاهد إلى محورية الصورة التلفزيونية وكينونتها.

إلى جانب الرسالة والمنار وإقرأ تتنوع الفضائيات الإسلامية ومنها ما يبث من أكثر من دولة مثل قناة المجد التابعة لشركة علا نجد السعودية ومقرها الرئيس الرياض ولديها استوديوهات في دبي والرياض والقاهرة وتبث من دبي، وهناك قناة الحقيقة لصاحبها الشيخ محمد الهاشمي التي تبث من الإمارات، وقناة الهدى التي تملكها مجموعة رجال أعمال سعوديين وتبث من القاهرة وأكثر برامجها موجهة لغير الناطقين بالعربية وقناة الفجر التي يملكها الشيخ وجدي بن حمزة الغزاوي بالشراكة مع جمعية الاميرة سارة العنقري الخيرية ومقرها جدة هذا بالاضافة الى قناتي النور والحياة وغيرها.

على مدار العام تتنافس الفضائيات الإسلامية وتزداد في شهر رمضان، غير ان المنافسة مرشحة لان تزداد اشتعالا بينها والسؤال هو ما الهدف الذي تسعى إليه هذه القنوات؟

حسب عاملين في حقل الاعلام الإسلامي واكاديميين في حقل الدراسات الإعلامية فإن الجانب الاستثماري يبدو هو الهدف لهذا النوع من الفضائيات وإن حمل الدين في رسالته، إذ تلجأ مصادر تمويل وشخصيات لها ثقل اقتصادي واجتماعي إلى تأسيس قناة اسلامية تعتمد فيها على اسماء شهيرة دون ان تضع في اعتبارها توافق ثقافة الاعلام مع أهداف القناة. ومع مرور الزمن وبالنظر إلى الخارطة البرامجية نلاحظ ان تلك القنوات تعتمد على تقديم برامج ذات قالب واحد، وهذا ما يجعلها متشابهة الى حد كبير وهذا للأسف ما يساهم بإظهار الاعلام الاسلامي اعلاما مقلدا ليس فيه ابتكار، كما انه إعلام مثقل في الرقابة المسبقة والمشددة التي تتنافى مع قيم العمل الإعلامي بعامة.

ربما تكون الساحة مواتية اليوم لتجري القنوات الفضائية ذات القالب الإسلامي مراجعة عامة لعملها، وهي وإن كانت تعوزها المهنية، كثيرا إلا انها في المجمل تظل أكثر إيجابية من قنوات الاغاني والتسلية والترفيه، التي لا تحمل أية رسالة اعلامية أو ثقافية غير مسخ المجتمع ودفعه إلى قيم غربية ينميها اليوم ما يسمى بتلفزيون الواقع.

وفي مقابل قدرات تلفزيون الواقع على ابراز المقدرة والموهبة والمثابرة لدى العناصر المشاركة، تأتي برامج الفضائيات الإسلامية حاملة رسالة الدفاع عن القيم الفاضلة، التي تحاول المثابرة على التذكير بها، ولكنها لا يجب أن تكون حصراً على قناة دون أخرى، كما انها تحتاج إلى اتباع اساليب جديدة في التعامل مع عقل المتلقي الذي يواجه وسائل جذب اخرى شديدة  التأثير من قبل القنوات الاخرى التي توصف بأنها فضائيات مخلة  بقيم المجتمع العربي الاسلامي.

الحقيقة المستخلصة أن الفضائيات الاسلامية ساهمت بنشر صحوة دينية في بعض البيئات العربية، لكنها في ذات الوقت تحتاج إلى اعتماد معايير أكثر فاعلية من اجل البقاء في المنافسة، وبعيدا عن اعتماد سلطة الفكر الدينية التي قد تكون عائقا احيانا لجذب المشاهد، ويمكن هنا ان تكون الفضائيات الاسلامية بديلا جيدا للمعرفة الدينية بالنسبة للمتدينين في البيئات التي تعاني من التيارات الدينية المتشددة والتي يكاد يغيب فيها دور الدعاة الحقيقي.

mohannad974@yahoo.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »من الخطأ التعميم (ودود)

    الأحد 30 أيلول / سبتمبر 2007.
    هذا الكلام ينطبق بالفعل على مجموعه كبيرة من القنوات لكنه لا ينطبق وحالة قناة الرسالة وقناة الفجر والمجد والتي أبدعت في الشكل والمضمون وفي جذب المشاهد