"مكنسة تيتو" للعمالة الفائضة!

تم نشره في السبت 22 أيلول / سبتمبر 2007. 02:00 صباحاً

توفي رجل يوغسلافيا القوي جوزيف بروس تيتو يوم 4 أيار 1980 وحضر جنازته العديد من السياسيين ووفود الدول أكثر من أي رجل آخر في التاريخ. ورغم أن المارشال تيتو قد توفي إلا أن أفكاره ما تزال حية وجيدة!

قام تيتو بخطوته بالانفصال عن ستالين في عام 1948، وكانت ردة فعل موسكو سريعة إذ دمغت شيوعية تيتو بأنها "حركة تصحيحية". أما السمة المميزة لسياسة تيتو الخارجية فكانت حركة عدم الانحياز والتي اعتبرت الرئيس اليوغسلافي تيتو (إلى جانب الرئيس المصري جمال عبد ناصر والرئيس الهندي نهرو) عضواً مؤسساً.

في يوغسلافيا عرض الشكل الفريد لـ"اشتراكية السوق" اللامركزية فكرة الشركات التي يديرها العمال. وهذه الفكرة جذبت انتباه العديد من أتباع المعسكر حول العالم. إلا أن النظام في يوغسلافيا فشل في توفير الوظائف لكل اليوغسلافيين، ونتيجة لذلك واجهت يوغسلافيا مشكلة العمالة الزائدة المزمنة. لحل المشكلة وللتعتيم على الأخطاء في نظام إدارة العمال، جاء تيتو باستراتيجية اقتصادية بسيطة ولكن إبداعية. فقد فتح حدود يوغسلافيا - حسب المعايير الشيوعية على الأقل- وصدر العمالة الزائدة.

في أوائل السبعينيات، كان أكثر من مليون يوغسلافي، حوالي 11% من القوى العاملة، يعملون في دول غرب أوروبا. وبلغت تحويلات أولئك اليوغسلافيين بالعملات الصعبة (المارك الألماني بالدرجة الأولى) حوالي 30% من صادرات يوغسلافيا، "مكنسة تيتو" عملت كالسحر!

إندونيسيا مثل يوغسلافيا تصدر العمالة الزائدة. القوانين التي تحكم التوظيف في الشركات وممارسات الفصل من العمل خلقت سوق عمل غير فاعلة. فقد حصلت سوق العمل في إندونيسيا على المرتبة 140 من 175 في تقرير البنك الدولي "بدء الأعمال لعام 2007" (مرتبة واحدة فوق إيران). من الصعب على الشركات الإندونيسية توظيف عمال جدد كما أنه من المكلف فصلهم من العمل. تقدر القوى العاملة في سوق العمل بحوالي 70% وتعمل في قطاع اقتصادي غير إنتاجي، و11% من القوى العاملة عاطلة عن العمل، وحوالي 3 ملايين إندونيسي يعملون في الخارج بصفة شرعية، وحوالي مليون شخص آخرين على الأقل يعملون بصفة غير شرعية، وبلغت تحويلاتهم المالية إلى إندونيسيا في العام الماضي حوالي 3.5 بليون دولار على الأقل.

وكما استخدمت إندونيسيا "مكنسة تيتو" في تصدير عمالتها الفائضة إلى الخارج، استخدمت أيضاً دولاً أخرى مثل سنغافورة وأستراليا وماليزيا كـ"حاوية القمامة"، إذ يوجد أكثر من نصف مليون من العمال الإندونيسيين العاملين يعملون بعقود في ماليزيا، والجالية الإندونيسية المهاجرة في أستراليا تنمو بنسبة 10% سنوياً منذ عام 2001 .

جاءت إندونيسيا في مرتبة متدنية (61) في تقرير البنك الدولي لعام 2007 بالنسبة لمؤشر صعوبة التوظيف، وهو مكون لمؤشرات سوق العمل، الذي يقيس القيود التي يواجهها أصحاب العمل عند توظيف العمال. الدول المجاورة، كسنغافورة وأستراليا، لم تواجه أياً من هذه القيود، ولذلك سجلت كل منها علامة صفر في مؤشر صعوبة التوظيف.

 

تقرير البنك الدولي لعام 2007 يذكر رواية مماثلة عن المقاييس التالية: جمود الساعات وصعوبة الفصل من العمل وكلفته. قوانين العمل الإندونيسية تفرض قيوداً ونفقات وإجراءات على الشركات أكثر مما تفرضه الدول المجاورة.

في الواقع أي شركة إندونيسية تطلب موافقة طرف ثالث قبل أن تقوم بفصل العمال الفائضين عن الحاجة، وكل عملية فصل تكلف ما نسبته 108 أسابيع من راتب العامل (مقارنة بتكلفة صفر في الولايات المتحدة). سوق العمل الإندونيسية غير مرنة وغير قادرة على الاستجابة للضغوط التنافسية وخلق عدد كاف من فرص العمل.

 

إن عجز سوق العمل يشرح جزئياً الأداء العام لاقتصاد إندونيسيا الضعيف منذ انهيار الروبية عام 1997. لقد زاد الناتج المحلي الإجمالي للفرد في إندونيسيا بمعدل ضعيف بلغ 1.18%، واستغرق سبع سنوات لكي يعود إلى مستويات ما قبل الأزمة.

ليس مستغرباً أن تقوم إندونيسيا برمي عمالتها في دول تشهد أداءً جيداً في أسواق العمل واقتصاديات تنمو بشكل سريع. لقد آن الأوان لإصلاح أسواق العمل في إندونيسيا، لكي تتم إعادة "مكنسة تيتو" إلى الخزانة.

ستيف إتش. هانكي: أستاذ علم الاقتصاد التطبيقي في جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور، وهو زميل أقدم في معهد كيتو في واشنطن العاصمة. وكان مستشاراً سابقاً للرئيس سوهارتو عام 1998.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع مؤسسة مصباح الحرية.

www.misbahalhurriyya.org

التعليق