لماذا لم تحصل مفاجأة في المغرب؟

تم نشره في الأحد 16 أيلول / سبتمبر 2007. 02:00 صباحاً

لم تحصل مفاجأة في المغرب. كل ما في الأمر أن الانتخابات النيابية وضعت الإسلاميين في حجمهم الطبيعي. وأكثر من ذلك، بعثت الانتخابات التي شهدتها المغرب أخيراً بإشارات في اتجاهات مختلفة، وفي مقدمة الإشارات ان الوضع في المملكة تحت السيطرة وأن الحياة السياسية فيها تتطور ببطء ولكن بثبات، وأن الوسطية ما تزال الصفة المهيمنة على المجتمع المغربي. وقد شاء هذا المجتمع أن يجعل من حزب الاستقلال، وهو حزب قديم قريب في كل شيء من الوسطية، الحزب الذي لديه أكبر عدد من الأعضاء في مجلس النواب. وهذا يعني بكل بساطة أن معظم التحليلات التي خرجت بها وسائل إعلامية أوروبية وأميركية قبل الانتخابات كانت من النوع الذي يثير الشفقة أكثر من أي آخر. إنها دليل على أن الأوساط الأوروبية والأميركية ترفض الاعتراف بأن ما ينطبق على دول معينة، كالجزائر مثلاً، لا ينطبق بالضرورة على المغرب وأن من الأفضل عدم السقوط في التعميم في حال كان مطلوبا السعي إلى فهم ما يجري في المملكة والتجربة التي يشهدها البلد.

سقطت وسائل الإعلام الأجنبية في لعبة كان من الأفضل لها عدم السقوط فيها، في حال كانت حريصة على حد أدنى من صدقيتها، خصوصاً بعدما توقعت في غالبيتها أن يكتسح "الإسلاميون" الانتخابات. لم يحصل شيء من هذا القبيل لسبب في غاية البساطة يتمثل في أن المغرب مضبوط من الداخل بحدود وضعها المجتمع لنفسه وأن التحولات التي يشهدها مرتبطة ارتباطا عضويا بطبيعة هذا المجتمع الذي نشأ على فكر الاعتدال والتسامح. والأهم من ذلك كله أن السلطات في المغرب لم تدخل في مواجهة مع الإسلاميين بمقدار ما أنها اعترفت بأنهم جزء لا يتجزأ من المجتمع وأن الجهد يجب أن ينصب على محاربة الإرهاب بكل أشكاله والسعي إلى احتوائه، خصوصا بعد أحداث أيار- مايو 2003 حين ضربت "القاعدة" في الدار البيضاء مستهدفة الأبرياء. ولهذا، لم تحصل مفاجأة في المغرب، ولم يكن ممكناً حصول مفاجأة.

في ظل هذه المعطيات، جرت الانتخابات الأخيرة التي دلّت على أن الإجراءات المتخذة والإصلاحات التي بوشر بها منذ سبع سنوات أدت إلى النتائج المرجوة، أي إلى أن تكون في البلاد حياة سياسية غنية إلى حدّ ما وأن تدور اللعبة السياسية بوجود أحزاب حقيقية تتنافس على أساس البرامج التي تطرحها. لقد وفرت الحكومة كل أسباب النجاح للانتخابات التي أجريت يوم السابع من أيلول- سبتمبر الجاري. وشهد المراقبون الأجانب، استنادا إلى الشهادات التي أدلوا بها، على نزاهة الانتخابات وحياد السلطة. وهذا يلقي مسؤولية كبيرة على الأحزاب المغربية وعلى الطبقة السياسية تحديدا لدى إثارة مشكلة الإقبال على التصويت الذي بقي إقبالاً متواضعاً.

ولكن أبعد من اجراء الإنتخابات، لا بد من الاعتراف بأن ما حصل في السابع من أيلول- سبتمبر 2007 ، كان خطوة أخرى، ولكن مفصلية، في رحلة طويلة تستهدف النجاح في مواجهة التطرف بكلّ أشكاله. وهنا لا بد من التذكير بأنه عندما أوصى الملك محمّد السادس قبل سنوات بتقديم الدروس الدينية بلغة سهلة في متناول الفهم والإدراك في سياق صون الموروث الثقافي وثوابت وحدة العقيدة والمذهب، كان يعيد إلى المسجد من خلال هذه المبادرة دوره الإشعاعي كأقوى مؤسسة روحية لإنتاج ثقافة الانفتاح على نقيض التعصب والانغلاق ومصادرة الحريات الفكرية.

إذا كان من درس يمكن تعلمه من الانتخابات المغربية الأخيرة، فإن هذا الدرس يتلخص أوّلاً بأن التطرف يحارب على غير جبهة وأن المغرب نجح إلى حد كبير في حربه هذه من دون أن يعني ذلك أن في الإمكان الاستكانة والاطمئنان إلى أن الحركات المتطرفة التي تؤمن بالعنف قُضي عليها نهائياً. أما الدرس الآخر فهو أن على الطبقة السياسية تحمل مسؤولياتها وتأدية دورها بعدما أكدت الانتخابات أن المجتمع المدني في المغرب يعي تماما ما هو على المحك في هذه المرحلة بالذات، ويعي خصوصا الحاجة إلى مواجهة التطرف والانتصار عليه.

المغرب إلى أين بعد الانتخابات؟ الاتجاه هو إلى مشاورات سياسية تنبثق عنها حكومة تضم أكبر عدد من الكفاءات وممثلي الأحزاب الممثلة في البرلمان بغية الاستفادة من التحسن الذي تشهده المملكة على الصعيد الاقتصادي وتوظيف هذا التحسن في الحرب على الفقر التي يخوضها البلد. بكلام أوضح، يفترض في الأحزاب المغربية بعد نجاح تجربة الانتخابات النيابية استيعاب أنه بدل الصراع السياسي الذي يستهدف الحصول على مغانم لا قيمة حقيقية لها في المدى البعيد، هناك الآن صراع ذو طابع اجتماعي عنوانه العام الحرب على الفقر والتخلف وعلى استخدام الدين من أجل الاستيلاء على عقول الناس أو ارتكاب أعمال إرهابية لا تمت بصلة للإسلام لا من قريب ولا من بعيد.

هناك في المغرب مشروع واضح المعالم للإسلاميين عبر عنه البرنامج الانتخابي لـ"حزب العدالة والتنمية" الذي حلّ ثانياً في الانتخابات وراح يشكو من "شراء الأصوات" لتبرير عدم تحقيقه المفاجأة التي وعد بها أنصاره. وهناك مشاريع أخرى ذات طابع ليبيرالي أو اشتراكي. وهناك مشروع للملك يجمع بين مختلف هذه المشاريع. وقد صب نجاح الانتخابات ونتائجها في خدمة المشروع الجامع الذي ينقل البلد إلى مرحلة جديدة تكون فيها ضوابط لكل أنواع التطرف. من كان يقرأ ما يصدر في الإعلام الأجنبي قبل الانتخابات المغربية كان يعتقد أن الحديث إنما هو عن بلد آخر.

وجاءت نتائج الانتخابات لتثبت ذلك ولتثبت قبل كل شيء أن ليس في الإمكان الاستهانة بالفكر الوسطي المترسخ في المجتمع المغربي من جهة ولا بالجهود التي بذلت والإصلاحات التي نُفذت من أجل نقل البلد إلى مرحلة جديدة من جهة أخرى. إنها مرحلة لا تستند إلى استخدام القمع في أي شكل من الأشكال بمقدار ما تقوم على معالجة الظواهر الاجتماعية الشاذة بالذهاب إلى الجذور. أي إلى الأسباب التي تولد إرهابا وإرهابيين.

من الباكر الجزم بأن المغرب ربح المعركة على الإرهاب والتطرف، لكن الأكيد أن الانتخابات الأخيرة تشير إلى أنه في الطريق إلى تحقيق ذلك. وهذا ما أعطى للانتخابات الأخيرة معنى ومغزى يتجاوزان حدود المغرب بما في ذلك الاعتراف بأن القمع وحده لا يفيد في محاربة الإرهاب والتطرف، وأن الحاجة باستمرار إلى معالجة من نوع آخر تأخذ في الاعتبار البعد الاجتماعي من دون أي نوع من العقد.

التعليق