حركة لمواجهة الغلاء

تم نشره في الاثنين 27 آب / أغسطس 2007. 03:00 صباحاً

شبح الغلاء الذي وجد له موطنا في غير بلد عربي، يهدد قوة الاقتصادات الفتية التي برحت سلطة الدولة بالامس القريب الى معادلات السوق وفق ليبرالية لم تتضح معالمها بعد باختلاف ظروف كل دولة عربية واخرى.

موجات الغلاء التي تجتاح تلك الاقتصادات متشابهة الى حد بعيد، ففي الأسباب ثمة ما يستند الى الارتفاعات المتتالية لاسعار النفط الخام وكذلك المعادن ومواد البناء اضافة الى سلة من السلع والخدمات ارتفعت بفعل تأثر واحدة بالأخرى وفق نمطية لا تخضع في أحايين كثيرة الى علم الاقتصاد او الاساس المنطقي لعلاقات التأثير والتأثر.

التحولات الاقتصادية العربية منذ عقد ونصف العقد تحركت بتسارع نحو الخصخصة واحيانا بتباطؤ .. وبين الاتجاهين لم تتشكل مؤسسات ووحدات اقتصادية قادرة على حمل عبء التحول عبر تحريك الرأي العام ومخاطبته بشكل علمي وقانوني بعيدا عن العشوائية والفزعوية والفوضى .. نعم، لا يوجد مؤسسات او جمعيات او قوى فاعلة -

على غرار ما هو موجود لدى الغرب - يمكن تسميتها بقوى ضغط ومصالح والتي يرتفع صوتها عادة دفاعا عن المستهلك ومن اجل خلق رأي عام تجاه سلوك تجاري او صناعي او اقتصادي.

تحقق التحول وما يزال ولم تواكبه حركة مجتمع مدني نشطة باتجاه ضبط واقع السوق ومتغيراته وتبيان حجم الضرر نتيجة نشاط المستثمرين ورجال الأعمال .. الدولة تخلت عن تلك المسؤولية، في وقت بقي فيه القطاع الخاص في العالم العربي عاجزا ومطلبيا وغير مبدع، باستثناء قلة لا يزال صوتها دون المجتمع وتحدياته وليس اقلها رغيف الخبز بعيدا عن فضاءات رقمية لا تعني رب الاسرة في شيء.

اول من امس خرج الى العلن في القاهرة مولود جديد حمل اسم "حركة مقاومة غلاء الاسعار" .. هذا المولود ليس سياسيا ولا يمثل تيارا   يستهدف السلطة في مصر، انها حركة شعبية اقتصادية تعنى بإعداد الدراسات الاقتصادية عن واقع اسعار السلع والخدمات الموجودة في السوق المصرية وتحريك الرأي العام تجاه الاحصاءات والارقام والنتائج ، وستتخصص لاحقا في البحث والكشف عن اسباب الغلاء واساليب

التجار في التحايل واتجاهات رفع الاسعار وقدرة المستهلك على مواجهة هيكل الاسعار .. وامور اخرى من شأنها ان تبقي على علاقة بنيوية ذكية بين صانع القرار في مصر وبين مؤسسات تدافع عن المستهلك بروح عصرية اقتصادية علمية لا خطابة او انشاء فيها.

حركة مواجهة الغلاء في مصر ضرورية وان تأخرت ولادتها، وهي ضرورية ايضا في الاردن وسورية ولبنان وفلسطين المحتلة ودول الخليج والمغرب العربيين .. ففي مواجهة غلاء متنام ومعدلات تضخم قياسية، لا بد من مأسسة قوى مجتمع مدني تضم مختصين وعلماء يستطيعون تنوير الطريق امام صانع القرار كما يمكنهم الوقوف على حقيقة ما يجري في دهاليز الاسواق العربية .. والتمييز بين معادلة العرض والطلب وبين معادلة ظلم المستهلك تحت اسم " قوى السوق الحرة".

قدرات المستهلكين العرب الشرائية متباينة ولكنها تراجعت في السنوات الخمس الاخيرة تبعا لارتفاع معدلات التضخم وثبات مستويات الدخول او زيادتها بنسب هامشية، فمتوسط معدل التضخم في دول مجلس التعاون الخليجي الست ارتفع العام الماضي الى 4.2% ومتوقع ان يزيد قليلا عن هذه النسبة مع نهاية العام الحالي.

اما في سورية فمتوقع ارتفاع معدل التضخم نهاية هذا العام الى 14.4% وبقاؤه في الاردن حول 6% وارتفاعه في العراق الى 66% وهبوطه في لبنان الى 3% وفي مصر الى 6.2% وفي اليمن الى 13.1%.

ومما يبرر الحاجة اكثر الى وجود مراكز دراسات ومؤسسات تعنى بالأرقام والدراسات الاقتصادية على المستوى العربي هو تأثر المنطقة وسكانها من تداعيات لم تنته بعد ذات علاقة بطفرة العقار وموجات الغلاء التي رافقتها .. الان وبعد ان فرغت أسواق العقار نسبيا من صخبها، فإن الحاجة الى دراسة واقع المستهلكين بين مؤسسات وحركات الفكر والمجتمع المدني وبين من يملك سلطة القرار، بقصد تفعيل هذا الواقع

وتغييره وتحسين صورته وفق حوار مؤسساتي وحضاري بعيدا عن الصخب والمزايدات وبشكل عصري.

مؤسسات وجمعيات حماية المستهلك في العالم العربي ومراكز الدراسات المتعلقة بالمستهلك اكثر من متواضعة، وتبذل جهودا لكنها تبقى ناقصة بسبب ضعف تكوين تلك المؤسسات .. سمعت  ذات لقاء من الدكتور محمد عبيدات الذي يرأس جمعية حماية المستهلك في الاردن ان مخصصات الجمعية في موازنة الدولة لا تعدو بضع آلاف من

الدنانير وان احد وزراء المالية قام بخفض تلك المخصصات لأكثر من النصف عبر موقف اقل ما يمكن أن يقال فيه إنه غير حضاري .. أيعقل ان لا يتوفر للجمعية التي تدافع عن المستهلك في بلادنا موقع إلكتروني ونحن في عام 2007؟!

التعليق