فرنسا تنتعش من جديد

تم نشره في الأربعاء 22 آب / أغسطس 2007. 02:00 صباحاً

يرجع جزء من أسباب فوز نيكولا ساركوزي بالانتخابات الرئاسية الفرنسية في شهر مايو/أيار إلى نجاحه في اجتذاب قسم ضخم من أنصار أقصى اليمين إلى جناحه المحافظ.والحقيقة أن التأييد الشعبي لحزب الجبهة الوطنية قد هبط من حوالي15% إلى10%، الأمر الذي أدى إلى إضعاف الجبهة الوطنية بشدة وتعزيز قوة اليمين الفرنسي التقليدي.

لقد نجح ساركوزي عن طريق إحراج أفكار وحجج الهوية الوطنية والهجرة. وعلى هذا فقد رأى العديد من الناس أن حملته الانتخابية تميل إلى اليمين ميلاً شديداً. وفي فرنسا وكافة أنحاء أوروبا، توقع الناس حكومة شديدة المحافظة، شبيهة بإدارة رئيس الولايات المتحدة جورج دبليو بوش.

إلا أن هذه كانت فكرة خاطئة. ذلك أن اعتناق ساركوزي لفكرة تعرض الهوية الوطنية الفرنسية للتهديد، والذي ربطه بالهجرة، لا يكفي لتأهيله كمحافظ جديد على الطريقة الأميركية. ولقد اختار أن يبين هذا بأقصى درجات الوضوح في ميدان السياسة الخارجية.

لقد شكل ساركوزي حكومته من منطلق إدراكه أن السياسة الخارجية الفرنسية كانت تدار لمدة طويلة على نحو اتفاقي تلقائي. وعلى هذا فقد سلم زمام الشُـعَب الرئيسية للسياسة الخارجية في الحكومة الفرنسية إلى ساسة من جناح اليسار. فعين برنارد كوتشنر وزيراً للخارجية، وهو الاشتراكي الذي سبق له أن شغل منصب وزير الشؤون الإنسانية ومنصب نائب وزير الصحة. وعين يساري آخر، جون بيير غوييه، مسؤولاً عن الشؤون الأوروبية. وعين جون ماري بوكيل، عمدة مولهاوس الاشتراكي، وزيراً للتعاون والعلاقات مع العالم الفرانكفوني. كما حصل الاشتراكيون على أقسام أخرى في حكومة ساركوزي. وحصلت فضيلة أمارا، مديرة إحدى المنظمات غير الحكومية التي تدافع عن حقوق المرأة، على منصب وزير الدولة لإدارة المدن.

كانت مبادرة ساركوزي الثانية من حيث الأهمية مرتبطة بإعادة تنشيط المشروع الأوروبي. فبعد الإخفاق الذي مُني به مشروع الدستور الأوروبي التمهيدي في العام2005، كان من غير الواضح على الإطلاق أن المفاوضات التي قد تسفر عن تقدم جزئي فقط في تحسين آليات اتخاذ القرار في الاتحاد الأوروبي ربما تشكل الوسيلة الأفضل لمتابعة العمل على هذا المسار.فضلاً عن ذلك فلم تكن هناك ضرورة ملحة مباشرة، وكان الجميع قد يتفهمون الموقف إذا ما قرر ساركوزي أن ينتظر لعامين أو ثلاثة أعوام أخرى قبل أن يجازف بسمعته في محاولة إحياء فكرة الدستور الأوروبي.

إلا أن ساركوزي قَبِل المجازفة، ونجح في إقناع الزعماء الأوروبيين باعتناق فكرة"المعاهدة المبسطة" التي دعا إليها. بالطبع، لم يتم تدوين النص النهائي للمعاهدة حتى الآن، إلا أن النجاح يبدو ممكناً، وهذا من شأنه أن يحسن من أداء الآليات التي يعمل الاتحاد الأوروبي وفقاً لها، فضلاً عن إرسال إشارة واضحة إلى المتشككين في أوروبا، وبخاصة البريطانيين والبولنديين. ولم تتخل فرنسا عن مطالبتها بأوروبا كوحدة "سياسية" وليس مجرد سوق موحدة.

أما مبادرة ساركوزي الثالثة فقد جاءت حين استقال رئيس صندوق النقد الدولي. فقد جرت العادة على تعيين أوروبي في هذا المنصب. إلا أن ساركوزي فاجأ الجميع حين رشح لهذا المنصب الفرنسي الاشتراكي دومينيك شتراوس خان، الرجل الذي يتمتع بكفاءة حقيقية والذي يحظى باحترام واسع النطاق.

كان ترشيح شتراوس خان لهذا المنصب بمثابة ضربة فعّالة أيضاً فيما يتصل بالسياسة الداخلية الفرنسية، حيث يَعِد هذا التحرك بإضعاف معارضة الاشتراكيين. إلا أن اختيار ساركوزي هذا يشكل في المقام الأول من الأهمية موقفاً حاسماً في إطار المناقشات الدائرة اليوم بشأن الاقتصاد العالمي. فقد أعلن ساركوزي باختياره هذا أنه من أنصار "تنظيم" الاقتصاد العالمي، وليس من بين الليبراليين العالميين المقتنعين بأن التوازن القائم بين قوى السوق اليوم هو الأمثل، وعلى هذا فليس هناك ما يدعو إلى التدخل لتقويمه.

تتصل المبادرة الرابعة أيضاً بالشؤون الخارجية: تحرير الممرضات البلغاريات الست السجينات في ليبيا باتهامات ملفقة بتعمد إصابة أطفال ليبيين بفيروس الإيدز. كانت المفاوضات المكثفة مع ليبيا، من جانب أوروبا بصورة خاصة، مستمرة منذ أكثر من عام، إلا أنها لم تصادف أي نجاح، وذلك لأن المفاوضين لم يحظوا بثقة حاكم ليبيا العقيد القذافي. ولقد أدرك ساركوزي هذه الحقيقة، فكان اختياره لزوجته كمفاوضة في هذا الشأن سبباً في تيسير التوصل إلى حل لهذه القضية.

ويسعى ساركوزي، فضلاً عن ذلك، إلى تكثيف التعاون في مجال التنمية في منطقة البحر الأبيض المتوسط بالكامل. فبدأ برحلة رئاسية إلى الجزائر، ثم إلى طرابلس، ثم أعقب ذلك بزيارات على مستوى الوزارات إلى بيروت.الحقيقة أن ضمان تنمية هذه المناطق سوف يشكل تحدياً طويلاً وصعباً، إلا أن التصدي لهذا التحدي أمر واجب وضروري.

وكانت الاستعدادات التي تبذلها الحكومة لتولي دور الريادة في المحادثات الدولية بشأن تغير المناخ من بين العلامات الأخرى التي تشير إلى اعتزام ساركوزي إحياء فرنسا باعتبارها قوة عالمية.

بعد الموات النسبي الذي اعترى السنوات الأخيرة من ولاية الرئيس جاك شيراك، عاد النشاط إلى السياسة الخارجية الفرنسية. وهذا تطور محمود، وليس بالنسبة لفرنسا فحسب. ذلك أن مذهب الفعّالية الذي يتبناه ساركوزي يَعِد أيضاً بدعم وتعزيز النفوذ السياسي الأوروبي على مستوى العالم.

ميشيل روكار رئيس وزراء فرنسا وزعيم الحزب الاشتراكي سابقاً، وعضو في البرلمان الأوروبي حالياً.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق