الفيل الروسي في غرفة مجموعة الثماني

تم نشره في الأحد 19 آب / أغسطس 2007. 03:00 صباحاً

بعد كل الحديث عن إفريقيا وعن التغيرات المناخية وعن التجارة العالمية كمواضيع مركزية لاجتماعات مجموعة الثماني، فإن الفيل في غرفة الطعام قد أطلق بوقه.

آندريه إلاريونوف، المستشار الاقتصادي السابق للرئيس فلاديمير بوتين، أعلن بأن قبول مجموعة السبع لروسيا "يدلل على مدى عدم اهتمامها بمصير الحرية والديمقراطية في روسيا". سياسة "الترضية" تلك "من شأنها أن تنال من بقاء المؤسسات الغربية الرئيسية، مثل اقتصاديات السوق والديمقراطية الليبرالية وحقوق الإنسان".

وفي الحقيقة، فإن وجود روسيا ينال من صميم القيم التي تجمّعت الدول الصناعية الديمقراطية السبع معاً من أجل الحفاظ عليها، ذلك أن روسيا ليست اقتصاداً حراً متقدماً كما أنها ليست ديمقراطية: إن ناتجها القومي الاجمالي هو نتيجة لحجمها وليس لكفاءة أدائها، بينما الديمقراطية تتطلب أكثر بكثير من مجرد عقد انتخابات بين الحين والآخر.

اقتصادياً، تملك روسيا ثروات طبيعية هائلة، بيد أن أداءها يكشف النقاب عن عجز مخططيها المركزيين. لدى موسكو أكبر تجمع لأصحاب ملايين الدولارات في العالم. بيد أن هذه الثروة ما زالت تعتمد على المحسوبية. أصحاب المبادرات في روسيا لا يُشيدون ولا يبيعون منتجاتهم وخدماتهم التي يحتاج إليها الناس فعلاً- إنهم يبنون علاقات وثيقة مع الكرملين. كما تحتل روسيا المرتبة 91 في العالم من حيث دخل الفرد من الناتج القومي الاجمالي، أقل كثيراً من دخل الغابون وجنوب إفريقيا وتركيا.

لقد أحبطت الرقابة المركزية النمو على امتداد الاقتصاد الروسي. بل إن إساءة استخدام السلطة هو أمر روتيني: البيروقراطيون الروس غير الخاضعين للمساءلة يجنون ثروات طائلة عن طريق أنظمة عشوائية ومصادرات، ويخضع رجال الأعمال إلى اللجوء إلى الرشوة والتعاملات المُريبة في الخفاء. فبعيداً عن كل عمليات النهب الشهيرة من النفط الذي يملكه الغرب وحقول الغاز، هنالك حشود من الموظفين المتعطشين لطلب الرشوات من جميع صغار التجار. وتُصنف روسيا حالياً في المرتبة 121 ضمن مؤشر منظمة الشفافية العالمية للفساد من مجموع 163 دولة- أي بعد كازخستان، ودرجة واحدة فقط قبل إندونيسيا.

وتنال الرشوة في نظام المحاكم من حقوق المُلكية والعقود، وبالأخص بالنسبة للأجانب، بحيث تُثبط همّة المستثمرين الذين تحتاج روسيا إليهم بشكل كبير. فبالنسبة للروس فإن غياب حكم القانون هو السبب وراء حقيقة أن أكثر من 46 في المائة من دخلهم يأتي مما يُسمى بـ"القطاع غير الرسمي": غير المُسجل وغير الخاضع للضرائب، ويُعتبر في عداد النشاطات غير القانونية.

كل هذه القصص من سوء الحاكمية تضع روسيا في المرتبة 103 من مجموع 130 بلداً ضمن مؤشر معهدي كيتو الأميركي وفريزر الكندي للحرية الاقتصادية في العالم لعام 2006، أي أسوأ من نيجيريا والصين وبنغلادش.

أما محطات الراديو والتلفاز والصحف فمعظمها إما مسيطر عليها مباشرة أو تحت تأثير عميق واسع من النظام. ووفق تقديرات صحيفة "موسكو تايمز" فإن النخبة الحاكمة تسيطر على حوالي 90 في المائة من الأخبار.

روسيا تملك نفس مصداقية فنزويلا لعضوية مجموعة الدول الصناعية! أي الدولة الغنية بالنفط التي يحكمها حزب واحد بقيادة الرئيس هوغو شافيز، الذي أغلق محطة راديو وتلفزيون كاراكاس.

مجموعة السبع سمحت لروسيا بالانضمام إليها في عام 1998 على أمل أن تغريها إلى تدعيم الديمقراطية وتحرير الاقتصاد في بلادها. بعض منا ممن ذهب إلى احتفالات مجموعة الثماني التي عقدت في روسيا في العام الماضي كان يود أن يُلقى الضوء على قمع النظام واحتكاره لمؤسسات الدولة ومحسوبيته وسياسته الحمائمية في الاقتصاد- ناهيكم عن تدخله، في حقبة ما بعد الإمبراطورية السوفييتية، في شؤون استقرار ورخاء الديمقراطيات الجديدة في أوروبا الشرقية. لقد فعلنا ذلك، ولكن لم يتغير أي شيء.

وبدلاً من استخدام اجتماع السنة الحالية لمجموعة الثماني لعمل الشيء الصحيح ولتقريع روسيا، فإن مسؤولي الخارجية الألمانية تحدثوا عن "تحديد الضرر" وهي العبارة الحالية الموازية لما كان يُعرف بسياسة الترضية.

عندما تكون الحكومة حرة في كتابة قوانينها ذاتها، فإن التاريخ يخبرنا بأنها تكون أيضاً حرة في انتهاك تلك القوانين. وما لم تعمد مجموعة السبع إلى عكس سياسة الترضية وتطلب من روسيا سلوك مسلك قويم، فإن الفيل الروسي سوف يظل خارج نطاق السيطرة. إن من مصلحة الجميع مساعدة الشعب الروسي على تحقيق الحرية الاقتصادية والنمو لأن الديمقراطيات المزدهرة هي وحدها التي تؤمن جيرانا أمناء.

أليك فان جلدر: باحث في شبكة السياسة الدولية في لندن.

خاص بـ"الغد" بالتنيسق مع مصباح الحرية.

www.misbahalhurriyya.org

التعليق