د.باسم الطويسي

السياسات الغذائية و"فجوة القمح"

تم نشره في الأربعاء 15 آب / أغسطس 2007. 03:00 صباحاً

انشغل المجلس الأعلى للزراعة في اجتماعه الأخير الأسبوع الماضي بنتائج تعداد المواشي وسياسة دعم الأعلاف أكثر من أي شأن زراعي اخر، وبالمناسبة كان هذا الاجتماع الأول في عهد هذه الحكومة والثالث منذ سبع سنوات، تزامن ذلك مع إعلان مصادر رسمية قبل أسبوع بأن إنتاج المملكة السنوي من القمح لا يكفي سوى لمدة ستة أيام فقط.

مسألة فجوة القمح الرهيبة تضع ملف الأمن الغذائي على قدم المساواة الى جانب امن الطاقة وامن المياه، وإذا كان ضجيج تهديد ندرة وإدارة المياه والطاقة هو الأعلى صوتا فإن مسألة الأمن الغذائي، المتمثلة في فجوة القمح لا تقل أهمية، بل تشكل مصدر تهديد أكثر خطورة لأنها لا تزال في أدنى سلم الاولويات التنموية مقارنة مع قلق ملفات المياه والطاقة. هناك ما يشبه القناعة الرسمية بعدم جدوى الخوض في هذا الملف، وهناك ما يشبه القناعة الرسمية أيضا التي أخذت تعمم في السلوك الاجتماعي لقطاعات واسعة بفعل سياسات طويلة ومتراكمة بأن زمن الزراعة في الأردن، وبالتحديد زراعة المحاصيل، قد انتهى ودون رجعة، كما ان الإجراءات التي أفرزتها تلك السياسات جعلت من الالتزام الرسمي بالقطاع الزراعي مجرد شكل من أشكال الالتزام الأخلاقي حيال فئة اجتماعية تعودت على تلقي دعم متواضع، ان زرعت وحصدت، وان لم تفعل.

القمح سلعة استراتيجية، ويقال ان إنتاجه وتحقيق الحد الادني من الاكتفاء منه مسألة حياة أو موت، وتحديدا للشعوب التي تعتمد على هذا المحصول بشكل أساسي أي شعوب القمح ونحن منها بامتياز، وفي الوقت الذي شهدت فيه العقود الثلاثة الماضية تحولات واسعة في سياسات القمح العالمية ومنها الإقليمية، ويكفي مراجعة تطور هذه السياسات ومعدلات الإنتاج في الدول المجاورة، ازداد تراجع أحوال هذا المحصول في الأردن ليس بمجرد الإهمال والإقصاء من اولويات التنمية، بل ان المفارقة وصلت الى قيمة هذا المحصول في الثقافة الشعبية التي احتفت على مدى عقود وقرون طويلة بالقمح والحصاد والحصادين وبالمواسم والجفاف والمطر.  

المسألة ليست في ان نعيد التذكير بأن بلادنا كانت أهراء روما قبل ألفي عام ومخازن غلتها وقمحها, ولا التحسر على سهول الأردن في حوران وجلعاد والشراة في العهود الأيوبية والمملوكية، ولا حتى عن الوصف الذي يقدمه نجيب عازوري في كتابه "نهضة الأمة العربية" عن أحوال جنان سهول الأردن وجباله وعن مواسم الحصاد في مطلع القرن الماضي.

لم تحدث لدنيا منذ ألفي عام طفرة مناخية فالأمطار ومواسمها المتواضعة، وحسب وصف ثيودور الصقلي في القرن الميلادي الأول لم تتغير، ولم تحدث لدينا تغيرات جيولوجية أو تضاريسية، فالذي تغير هو انه أصبح لدينا قطاع ومؤسسات وسياسة زراعية ومراكز بحوث متخصصة، وأصبح لدينا استعداد أكثر للاسترخاء للعون الخارجي والأسعار التفضيلية والمزيد من الاستهلال والتعلل بندرة المياه والأمطار والموارد.

المقارنة مفجعة، ما تبقى من إنتاج الأردن من القمح في حدود30 الف طن سنويا مقابل حجم الاستهلاك الذي يصل الى720 الف طن، يراد ان نتعامل مع حقيقة ان بلادنا لم تعد تحتمل زراعة القمح، وان هذه الحرفة لم تعد موجودة على المستوى الاجتماعي الاقتصادي، حيث يتدهور معدل الإنتاج سنويا بغض النظر عن الموسم المطري، في ضوء تراجع مستمر وتآكل كبير للأراضي التي كانت تزرع بالقمح لصالح زراعة الاسمنت أو الإهمال، في المقابل لا يصمد القليل من الإنتاج أمام تدني الأسعار وبزنس زراعات الأعلاف، وانتشار دودة القمح وأوبئة المحاصيل الأخرى التي طورناها حينما كنا ندعي اننا نطور البذار وبيئة الزراعة.

يعلم الكثيرون ان سياسة القمح في العالم جزء من الصراع الدولي، وكما ازدهرت إمبراطوريات الشاي وقبلها التوابل والملح، فإن إمبراطورية القمح جزء من لعبة القوة المعاصرة، وهذا لا يعني الاكتفاء بهذه المعرفة بل ان تحدي الاستمرار في الحياة على هذه الأرض يتطلب مواجهة جادة لسياسات ملف الأمن الغذائي، والممكن الوحيد في ضوء عادات الاستهلاك المحلية هو القمح.

يستهلك كل فرد أردني سنويا 157 كيلو من القمح، 32 كيلو من السكر، كما يستهلك كل أردني سنويا 21 كيلو من الأرز و20 كيلو من البطاطا 1،4 كيلو من القهوة، ومعظم هذه السلع الأساسية، باستثناء كمية من البطاطا، تستورد من الخارج، سياسات الأمن الغذائي تحتاج الى إرادة سياسية وليس تعداد مواشٍ.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »خبز الناس (علي خليل الدهان)

    الأربعاء 15 آب / أغسطس 2007.
    فعلا لا يوجد اهتما بمسائل الامكن الغذائي في الاردن بحج الاهتمامك بسماءل اخرى على الرغم من حساسية هذا الموضوع ومثال القمح وتراجع زراعته اكبر دليل على هذا الواقع
    القمح ومن اجله قامت حروب وصراعات وبعض الدول ترمي فوائض انتاجه في البحر من اجل ان تستمر في الهيمنه اليسهو خبز الناس