إبراهيم غرايبة

فوكوياما: أميركا على مفترق الطرق

تم نشره في الثلاثاء 7 آب / أغسطس 2007. 02:00 صباحاً

يشكل كتاب فوكوياما "أمريكا على مفترق الطرق: ما بعد المحافظين الجدد" (دار العبيكان 2007) انشقاقا فكريا وسياسيا عن مشروع المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد كان فرانسيس فوكوياما أحد المفكرين والمنظرين الكبار للمحافظين الجدد، وفي هذا الكتاب يبدو فوكوياما قد تحول إلى معارض وناقد لسياسات بوش في العراق والحرب على الإرهاب، ويدعو في كتابه إلى طريق جديد وأكثر واقعية للولايات المتحدة الأمريكية لترويج التنمية السياسية والاقتصادية وتجنب الحرب الاستباقية.

يقول فوكوياما: إن سياسات الولايات المتحدة في الحرب على أفغانستان والعراق ليست تطبيقا للمبادئ المحافظة الجديدة كما أفهمها، ويصف قادة الإدارة الأميركية وبخاصة الثلاثي بوش وتشيني ورامسفيلد بأنهم ليسوا مثقفين من المحافظين الجدد وأن تطبيقهم للحرب كارثي على المصالح الأميركية.

فقد فقدت الولايات المتحدة الأميركية التأييد الأوروبي على نحو دائم، حتى إن بعض المواقف الأوروبية تنظر إلى الولايات المتحدة الأميركية بعداء مرير، وتحولت أميركا اللاتينية إلى اليسار في ردة فعل نحو السياسات والمواقف الأميركية، وشغلت الإدارة الأميركية بالشرق الأوسط عن شرق آسيا، المنطقة التي بدأت تشكل لأميركا تحديا استراتيجيا.

ويعتقد فوكوياما أن إدارة بوش ارتكبت ثلاثة أخطاء كبرى، وتتمثل في المبالغة في تقدير التهديد الذي يواجه الولايات المتحدة الأميركية من قبل الحركات الإسلامية المتطرفة، مما أدى إلى تبرير رفع الحرب الوقائية لتكون القضية المركزية في إستراتيجية أمنية واقتصادية جديدة، وإخفاق إدارة بوش في أن تتوقع رد الفعل العالمي السلبي تجاه ممارستها لمبدأ الهيمنة "الخيرة"، وعدم ملاحظة أن بروز عالم ما بعد الحرب الباردة الأحادي القطب جعل مدى الهيمنة الأميركية مصدر قلق حتى لأوثق حلفاء أميركا، والخطأ الثالث كان إخفاق إدارة بوش في تهدئة وإعادة بناء العراق ودمجه في سياسات وبرامج إعمار وتنمية وتكوين حالة من التفاؤل كان يفترض أن تؤدي إلى هندسة اجتماعية على نطاق واسع ليس في العراق فقط بل في الشرق الأوسط كله.

وهناك قدر كبير من التنوع في الآراء التي تمسك بها المحافظون الجدد، الذين ادعوا لأنفسهم هذه الصفة طوال ربع قرن الماضي ولا شيء فيها يقترب من أن يكون خطا لحزب، ومع ذلك فهي تتفق في أربعة مبادئ: إيمان بأن طبيعة الشخصية الداخلية لأنظمة الحكم مهمة، إيمان بأن قوة أميركا قد استخدمت ويمكن أن تستخدم من أجل أغراض أخلاقية وأن الولايات المتحدة الأميركية تحتاج إلى أن تبقى منغمسة في الشؤون الدولية، وعدم الثقة في مشاريع الهندسة الاجتماعية الطموحة، وارتياب في مشروعية القانون الدولي وفي فاعليته وفي مشروعية مؤسساته وفعاليتها في تحقيق الأمن والعدالة، ذلك برغم أن ويلسون الذي يعتبرونه رائدا لهم كان يسعى إلى ترويج الديمقراطية من خلال إنشاء عصبة الأمم.

ويقول فوكوياما إن المبادئ العامة للسياسة الخارجية لا تفرض مستوى الخطر الذي يجب على الولايات المتحدة أن تخاطر به لتحقيق غاياتها، وقد اختارت إدارة بوش وهي تدفع نحو تغيير نظام الحكم في العراق إستراتيجية قائمة على خطر مفترض ناشئ من احتمال امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، وقد دحرجت الإدارة (يقول فوكوياما) النرد بطريقة استلزمت منه أن يكون صحيحا في الوقت نفسه في حسابات عديدة مهمة حول تطوير المستقبل، وكانت ثقتها بنفسها في حكمها الخاص في غير موضعها، وذلك نظرا إلى أن العديد من تلك الحسابات كانت موضع شك في ذلك الوقت نفسه.

وقد تشكل لدى الأميركان بعد أحداث الحادي عشر من أيلول أن كل شيء قد تغير، وكأن هذا التغير هو الحقيقة التي ساعدت إدارة بوش على إقناع أكثرية الشعب الأمريكي بمساندة حربين في الشرق الأوسط، ولكن فوكوياما يتوقف مستدركا عند هذه النقطة متسائلا عن درجة التغيير والحدود التي تحكم رؤية المخاطر التي تعذر الولايات المتحدة في سياساتها وإجراءاتها، لقد تشكل إدراك لدى الأميركان بأن الخطر الناشئ ضدهم قائم على التطرف الإسلامي وأسلحة الدمار الشامل، وهما تهديدان قائمان وموجودان بالفعل منذ فترة طويلة، ولكن القضيتين عندما وضعتا معا في حزمة واحدة تشكل لدى الولايات المتحدة الأميركية هاجس بتهديد نووي أو حيوي لا يمكن ردعه، والأمر الجديد الناشئ هو أن تستطيع منظمة صغيرة وضعيفة وليست دولة أن تنزل ضررا كارثيا، وذلك يطرح تحديا أمنيا غير مسبوق.

كانت خطة إدارة بوش في التعامل مع التهديدات تعني أن كل دولة في العالم يمكن أن تشكل تهديدا، وأن دور القيادة الأميركية للحرب الباردة يمكن أن يتحول إلى موقف الهيمنة، وهو تفكير برأي فوكوياما يحتوي في طياته على عدد من العيوب البنيوية والتناقضات التي تجعله بلا سند ولا يمكن الدفاع عنه ليكون قاعدة طويلة الأمد من أجل مفاهيم السياسة الخارجية الأميركية، فبرأي كين جوويت فإن المنطق الكامن خلف الإستراتيجية التوقعية قوي، ومع ذلك فإن تطبيقها الإستراتيجي يتطلب الحكمة المشتركة، وبداية فإن الافتراض من أجل هجوم توقعي يفترض قائدا معاديا ونظام حكم منيعين يكاد يكون خاطئا دائما، ولا تشكل الأمثلة الصحيحة سوى استثناء لا حكم له، وعلى المرء كما يقول فوكوياما أن ينطر فقط إلى الاتحاد السوفيتي بعد عام 1956 وإلى الصين بعد عام 1978.

ويقول فوكوياما إن الولايات المتحدة الأميركية كانت قادرة على التصرف تصرفا كريما، وقد كانت أكرم ما تكون حين تطابقت مثلها العليا مع مصالحها الخاصة، ولكن الولايات المتحدة قوة كبيرة أيضا لها مصالح غير متصلة بأعمال الخير العالمية.

ولكن رؤية المحافظين الجدد تجعل من المحتمل أن تتصادم مبادئها مع بعضها بعضا في مجالات الديمقراطية والتنمية وحقوق الإنسان، فقد أرجئت الديمقراطية لصالح الاستبدادية الليبرالية، برغم أن الديمقراطية يجب أن تكون غاية بحد ذاتها، ولم تكن إدارة بوش قد أعطت تفكيرا كافيا لعمليات الانتقال الديمقراطي في العراق.

وكان شعار التحرير والديمقراطية الذي غطى الحرب على العراق موضع سخرية لأن الإدارة الأميركية تخلت عنه بعد قليل، ولأنها لم تبذل في الوقت نفسه جهدا حقيقيا للاهتمام بمحنة الفلسطينيين، وفي الوقت الذي يريد فيه الكثير من الناس في الشرق الأوسط الديمقراطية لأنفسهم بشكل يائس، فإن هناك الكثير جدا من معاداة الأميركيين في المنطقة إلى درجة الحاجة إلى الابتعاد بأنفسهم عن الولايات المتحدة الأميركية والدعم الأميركي، ولو أن هذه الفكرة جاءت من مجتمع الديمقراطيات بدلا من واشنطن، لربما كانت قد تبنتها بسهولة أكبر، ذلك أن الحكم الأميركي والإستراتيجية الأميركية قد تكون أقصر نظرا ومشكوكا في فاعليتها الإيجابية. 

يعرض فوكوياما هنا الخبرة الأميركية في ترويج الديمقراطية بالمثال الشائع والمشهور عن اليابان وألمانيا، وكيف تحولتا من أنظمة دكتاتورية إلى ديمقراطية، وجرى انقلاب شعبي ضد القوى السياسية التي قادت البلدين إلى الحرب والهزيمة، ولكن شيئا من ذلك لم يتم في العراق وغير العراق أيضا.

ربما تكون الولايات المتحدة برأي فوكوياما قد نجحت أيضا في أوروبا الشرقية التي رحبت بلدانها بالدعم الأميركي لها، وماتزال من أهم وأفضل أصدقائها في العالم، ولكن ذلك لن يجري بالسهولة والطريقة نفسها في الدول العربية وفي روسيا والصين.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق