محمد أبو رمان

القاعدة وإيران: على أعتاب مرحلة جديدة

تم نشره في الأربعاء 11 تموز / يوليو 2007. 03:00 صباحاً

في خطابه الأخير "وإن تنتهوا فهو خيرٌ لكم" الذي يتوعد فيه إيران بحرب ضروس؛ يضع أبو عمر البغدادي، أمير ما يسمى بـ"دولة العراق الإسلامية"، سؤال العلاقة بين شبكة القاعدة وإيران محل نقاش وجدل جديد، فاللمرة الأولى يصدر تهديد جدي من أحد قادة القاعدة لإيران بمواجهة حامية، بل ويحدد مهلةَ شهرين لتلك المواجهة، ما يعني أننا لسنا أمام مجرد دعاية سياسية وإعلامية بل أمور وترتيبات تجري على أرض الواقع واستعدادات للمرحلة القادمة، وهو ما يطرح سؤالين اثنين: الأول حول توقيت الخطاب وأبعاده وأهدافه والثاني حول طبيعة العلاقة بين القاعدة وإيران وما يمكن أن يترتب على هذا الخطاب من نتائج وتداعيات على هذه العلاقة.

قبل البدء بمناقشة مضمون الخطاب تجدر الإشارة إلى ملاحظة عابرة تتعلق بالمستوى الثقافي والمعرفي الذي بدا عليه صاحب الخطاب (البغدادي) إذ يظهر من سياق الخطاب، لغة ومضمونا، أنه ليس حديث عهد بالشؤون المعرفية والثقافية والسياسية، فعلاقته بكتب التراث الإسلامي ومصادر الشريعة متينة، من خلال الاستدلالات الكثيرة التي ساقها من بطون الكتب، كما أنه مطلع على ما يصدر حديثاً من دراسات ومتابعات إعلامية، فيشير تارة إلى تقرير لمؤسسة راند وتارة أخرى إلى صحيفة الشرق الأوسط والصحف الإيرانية وغيرها، ويقدم قراءة نقدية للأوضاع الخدماتية والسياسية والاجتماعية في المناطق الكردية والشيعية في العراق، وهي ملاحظات توحي بمؤشرات متعددة في مقدمتها أنه متفرغ للمتابعة الإعلامية والثقافية وليس رجلاً عسكرياً، كما كان الزرقاوي أو كما هي حال أبي حمزة المهاجر. والثانية أنّ نشاط القاعدة – في العراق- بات يستند إلى قراءة ليست عفوية بل سياسية محترفة، على الرغم من طابعها الأيديولوجي، إلاّ أنها محيطة بما يجري من حولها من تحولات وتطورات وتحاول أن تتعامل معها بما لا يخرج على سياق المنطلقات الأيديولوجية التي تنطلق منها.

بالعودة إلى مضمون الخطاب وأبعاده؛ أول ما يثار هو توقيت الخطاب إذ جاء في سياق الحديث المتزايد عن الفشل الأميركي وضغوط الكونغرس الديمقراطي، بالإضافة إلى بروز مزاج سياسي شعبي حاد في الولايات المتحدة يبدي انزعاجاً شديداً من الأخبار القادمة من بغداد، وقد عبرت مؤخراً صحيفة النيويورك تايمز عن ذلك بالدعوة إلى الانسحاب الفوري. ويتوقع أن يأتي تقويم الخطة الأمنية لبغداد في نهاية تموز الحالي سلبياً ما سيؤثر على الأوضاع الداخلية بصورة أكثر وأخطر.

هذه الظروف ولّدت قناعة وإدراكاً لدى مختلف الفصائل العراقية أنّ انسحاباً، أو إعادة انتشار، يكاد يكون وشيكاً في العراق ما قد يخلق حالة من الفراغ الذي سيتنافس الجميع على ملئه؛ فأحد الأهداف المباشرة من خطاب البغدادي، وحديثه عن الدور الإيراني، هو نقل الكرة الملتهبة من حضن القاعدة والتحايل على حالة الاصطفاف السنية الجديدة ضد القاعدة، التي أدت إلى مصادمات عسكرية بينها وبين الفصائل السنية المسلحة الأخرى. فخطاب البغدادي يسعى إلى حشد الصف السني ضد إيران والشيعة، في سياق مناخ طائفي وثقافي متوتر يتقبل بسهولة مثل هذا الخطاب الطائفي بامتياز.

في هذا السياق فإنّ خطاب البغدادي يدخل، أيضاً، في سياق الحرب الإعلامية والنفسية بين السنة والشيعة استعداداً للمرحلة القادمة، في حال ازدادت الفوضى ونذر الحرب الأهلية والطائفية، فالبغدادي يريد بتهديد إيران ولغة الوعيد التي يتحدث بها مع الشيعة أن يؤثر على معنوياتهم واستعداداتهم لما يسمى بمعركة بغداد التي يجري الاستعداد لها على قدم وساق بين السنة والشيعة، ومن المتوقع أن تكون حجر الرحى في تحديد موازين القوى في الصراع الداخلي العراقي.

ويمكن التقاط الدعاية السياسية والطائفية في نص خطاب البغدادي، بوضوح، من خلال الملاحظات التالية:

أولاً؛ الحديث عما يعتبره جرائم يرتكبها الشيعة ضد السنة من قتل واعتداء وتعذيب، ويستخدم البغدادي في هذا المجال أبشع صور التعبير اللغوي للحشد والتعبئة والضرب على أوتار غرائزية طائفية، ولا يكتفي بدعوى الجرائم (الشيعية) بحق السنة العراقيين، بل يتحدث عن إيران وأفغانستان، من خلال خلق مناخ من التوتر العام.

ثانياً؛ الروح التصالحية في الخطاب مع القوى السنية الأخرى، بدعوته أبناء ما يسمى "دولة العراق الإسلامية" إلى التحلي بالصبر والتسامي عن الجراح في علاقتهم بالفصائل السنية الأخرى، وهي لغة مختلفة عن خطاباته السابقة، إذ كان يطالب فيها ببيعة "دولة العراق الإسلامية" ويتحدث عن مؤامرة بين أطراف سنية وإقليمية عربية ضد القاعدة في العراق.

المسألة الثانية التي يطرحها خطاب البغدادي هي العلاقة بين القاعدة وإيران؛ فالهجوم الكاسح ولغة الوعيد والتهديد بالحرب الشاملة داخل العراق وخارجه هي لغة جديدة في العلاقة بين القاعدة وإيران، وقد صرّح مسؤولون إيرانيون أنهم يأخذون تهديدات البغدادي على محل الجد.

سابقاً؛ وعلى الرغم من المواقف الأيديولوجية العدائية المتقابلة الشديدة بين كل من إيران ومنظمات القاعدة إلاّ أنّ العلاقة لم تصل إلى النقطة التي وقف عندها البغدادي في هذا الخطاب. فالقاعدة المركزية كانت حريصة على تجنب الصدام المباشر بإيران نظراً لوجود عدد من قياداتها المهمة أسرى لدى الجانب الإيراني، وفي مقدمتهم سيف العدل وابن زعيم القاعدة أسامة بن لادن، في الوقت نفسه فإنّ إيران كانت تستغل القاعدة لخدمة مصالحها، فسهلت مرور وعمل القاعدة في العراق بوسائل خفية لإدامة الفوضى وإفشال المشروع الأميركي.

موقف البغدادي يشير إلى نهاية المرحلة السابقة والبدء بمرحلة جديدة في العلاقة بين قاعدة العراق وإيران. مع بقاء سؤال معلق حول موقف القاعدة المركزية من خطاب البغدادي وما يتضمنه من أبعاد استراتيجية، خصوصاً وأنّ الخط المهيمن على القاعدة المركزية الذي يقوده الظواهري يمتاز بروح براغماتية مفرطة قادرة على التلاعب بالمقولات الأيديولوجية بذريعة المصالح، بينما "القاعدة العراقية" أقرب إلى الخط اليميني الأيديولوجي الذي كرسه الزرقاوي مؤسس التنظيم في العراق قبل مقتله.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق