أيمن الصفدي

حق المعرفة

تم نشره في الاثنين 9 تموز / يوليو 2007. 03:00 صباحاً

في مقاله في الزميلة "العرب اليوم" أمس، انتقد الزميل فهد الخيطان عقدَ وزير الصحة مؤتمراً صحافياً للإجابة عن اسئلة كانت الزميلة "العرب اليوم" طرحتها بشكل حصري على الوزارة. واعتبر الخيطان هذه الخطوة حرماناً للصحيفة من حقها في المتابعة الحصرية لموضوع كانت طرحته.

يستحق هذا الاجراء التوقف عنده لأنه يعكس ما يقترب من ظاهرة في تعامل مؤسسات رسمية كثيرة مع الصحافة. ما حدث مع "العرب اليوم" حدث مع "الغد" اكثر من مرة. تنفرد الصحيفة بالحصول على معلومات حول موضوع معين. تتابعه مع الجهة الرسمية المعينة انسجاماً مع أخلاق المهنة وشروط التوازن. لكنها تفاجأ بأن المسؤول الذي رفض الاجابة عن اسئلتها يصدر بياناً عن طريق وكالة الأنباء الرسمية او يعقد موتمراً صحافياً يتحدث فيه عن الموضوع.

ما يفعله المسؤولون بهذه الاجراءات هو أنهم يحبطون جهود الصحافيين ويضرون بمصالح الصحف التي تسعى الى التميز عن غيرها من خلال الانفراد بأخبار وتحقيقات ومتابعات.

مثل هذه التصرفات تشكل أيضاً خرقاً لمبادئ المنافسة الشريفة والسرية في التعاملات الخاصة. فالمسؤول الذي يأخذ معلومة من صحافي ويطرحها عبر وسائل اعلام أخرى هو مثل المسؤول الذي يحصل على معلومات حول خصوصيات سلعة معينة أو طرق انتاجها من خلال حقه القانوني لدى ترخيصها ويعطيها لشركات منافسة. كلا الاجراءين يحرمان صاحب المنتج من التميز وبالتالي يضران بالقدرة التنافسية للشركة صاحبة السلعة أو وسيلة الاعلام التي تملك المعلومة.

المشكلة في التعامل مع المسؤولين لا تتوقف هنا. فما يزال العديدون ممن يشغلون المواقع الرسمية يتعاملون مع المعلومات على أنها ملك خاص لهم. يجهد الصحافيون في الوصول الى معلومات وافية حول قضية يطرحونها ومن كل أطراف هذه القضية حرصاً على تلبية شروط انتاج المواد الصحافية المهنية وسعياً وراء التوازن. وهم إذ يفعلون ذلك فإنهم يعملون على تلبية حق القارئ عليهم وعلى من يتولون ادارة الشأن العام في تقديم معلومات مكتملة ومتوازنة. لكن ذلك أمر لا يبدو أن الكثيرين من الخَدَمة العامين يفهمونه. تكتمهم على المعلومات حول الشأن العام تجاوز على حقوق الناس الدستورية وضرر بالمؤسسات التي يديرها هؤلاء من خلال حرمانها، جراء الانغلاق على وسائل الاعلام، من حقها في تقديم وجهة نظرها.

تعاملت "الغد" مع هذه المشكلة من خلال نشر المواضيع التي يرفض المسؤولون التعليق عليها أو تقديم المعلومات حولها من دون تقديم وجهة النظر الرسمية. واحتراماً لمهنيتها ولحق القارئ في المعرفة، تشير الصحيفة الى ان المسؤول المعني رفض التعليق او الحديث.

يخطئ من يظن انه يستطيع حجب المعلومات في القرن الحادي والعشرين. بيد أن كثيرين ما يزالون يرفضون أن يستوعبوا التغيرات التي جرت من حولهم. والمتضرر الأكبر من ذلك هو المؤسسات التي تحيطها اداراتها بجدران الكتمان والسرية.

الحقيقة ضحية هذه الاجراءات أيضاً. غياب المعلومات الموثقة يفتح الباب أمام الاشاعات التي تنتشر ردَّ فعل طبيعياً على الفراغ الناتج عن عدم توفير المعلومات. وعدم توفير المعلومات حول قضية ما لا يلغيها من الوجود. كل ما يفعله هو أنه يجعل النقاش العام حولها ناقصاً. والخاسر الأكبر هو الذي يترك موقفه او وجهة نظره عرضة للاشاعات.

حق المعرفة حق دستوري وقانوني وشرط لتجذير الديمقراطية في المجتمع. هذا حق لم يحصل عليه الأردنيون بعد نتيجة تخلف البيئة التشريعية التي لا تزال تعطي حصانة غير مبررة للسلطات ضد النقد وتسمح للمسؤولين اخفاء المعلومات المتعلقة بالشأن العام. استمرار سيادة عقلية الوصاية عند من يناط بهم خدمة الناس في المواقع العامة سبب رئيس أيضا في التجاوز على هذا الحق.

"حق المعرفة" عنوان حملة اعلانية اطلقتها "الغد" أخيراً. هذا العنوان اختير بعناية لأن المواطنين ما يزالون محرومين من حقهم في معلومات كافية ووافية حول سبل إدارة شؤونهم. وكل الحديث عن الشفافية والدمقرطة والتطوير يظل غير مقنع إذا بقي الخدمة العامون يملكون سلطة حجب المعلومات عن المواطنين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حجب المعلومات عن الصحافه لغايات الابتزاز والاستئثار بالمنصب. (خالد مصطفى قناه .)

    الاثنين 9 تموز / يوليو 2007.
    أستاذ أيمن، لقد وضعت يدك على صميم المشكله في سبب حجب المعلومه الصحفيه بسبب سيادة عقلية الوصايه وتصرف المسئولين ممن يشغلون المواقع الرسميه بتعاملهم مع المعلومات الصحفيه وكأنها ملك خاص لهم ¡ والسبب الأول والأخير لحجب المعلومه الصحفيه هي محاولة الابتزاز والاستئثار بالموقع ولعل الصحفي المتلهف على الخبر أن يمد يده وينقد المسئول ببعض المال لينال ما يريده ¡ ولا يوجد أي سبب آخر غير هذا الجشع والدونيه التي تعشعش في نفوس بعض المتنفذين في الحكومه،لا أدري متى سيرتفع كل واحد لمستوى المسئوليه ويتصرف بعقلانيه خلاقه ومنتجه؟ ودمتم.