محمد أبو رمان

حول مركزية القضية الفلسطينية

تم نشره في الاثنين 11 حزيران / يونيو 2007. 03:00 صباحاً

ليس غريباً ذلك النقاش والجدال الذي أثاره مقال الإعلامي السعودي تركي الدخيل بعنوان "السعودية.. أولاً" (في صحيفة الوطن السعودية 7 حزيران الحالي)، لما للموضوع المطروح من أهمية وحساسية شديدة لدى النخب والرأي العام العربي على السواء. إلاّ أنّ المقال – في تقديري- أخذ على محمل آخر غير ذلك الذي أراده الكاتب، أو بعبارة أدق تمت قراءته بحساسية مفرطة.

ابتداءً؛ القضية الفلسطينية مركزية في العالم العربي والإسلامي، لا شك في ذلك، لاعتبارات متعددة في مقدمتها الاعتبارات الواقعية؛ فقد شكلت القضية تاريخياً جزءاً حيوياً في تفاعل النظام الإقليمي العربي داخلياً، ومع العالم الخارجي رسمت القضية مساراً خاصاً متوتراً في العلاقات العربية- الغربية لسيادة شعور عام لدى العرب والمسلمين، وهو شعور صحيح بالطبع، أن هذه القضية هي نتاج تواطؤ وتحيز غربي ضد المجتمعات العربية.

وفي الوقت نفسه مثّل الصراع العربي- الإسرائيلي عاملاً مهما مؤثراً ليس فقط على الحالة السياسية العربية العامة بل على الأوضاع الداخلية في كثير من الدول العربية، وأصبحت القضية جزءاً أساسياً من الثقافة الوطنية داخل أغلب الدول العربية، لا يمكن الحديث عن "تربية وطنية" دون استصحاب مسيرة القضية.

وهنالك، بالطبع، حديث طويل حول الاعتبارات الدينية والقومية والتاريخية المعروفة التي تدفع جميعها إلى اعتبار القضية الفلسطينية مركزية، لا يمكن تصور اقتلاعها من الوجدان العربي.

هذه المقدمة ضرورية، وهي بمثابة أبجديات في قراءة الوضع العربي، لكن ما طرحه الدخيل لا علاقة له بذلك إنما يصب مباشرة في مسألة "التوظيف" السياسي الجائر للقضية الفلسطينية، ما أضر بالقضية من ناحية وبالمجتمعات العربية من ناحية أخرى، وذلك يتطلب نقاشاً موضوعياً دقيقاً، يرصد مسار تطور القضية والسياسات الفلسطينية والعربية الخاطئة في التعاطي معها وصولاً إلى المأزق الراهن الذي آل إليه المشروع الوطني الفلسطيني من اقتتال الفصائل وإفلاسها السياسي أولاً وارتهان الدول العربية لوضع الحكومة الإسرائيلية ومدى استعدادها لتقديم تنازلات ثانياً!

فعلى الصعيد السياسي؛ جعلت النظم العربية من القضية الفلسطينية "قميص عثمان" طيلة العقود السابقة لعسكرة الحياة السياسية الداخلية، وهذه العسكرة لا تعني، فقط، إمساك العسكر بالحكم - في عدة دول- ومصادرة الحياة المدنية الديمقراطية وسيادة النظم الشمولية القمعية والشعارات الرنانة بدلاً من اللغة العقلانية الواقعية والحسابات السياسية الصحيحة، إنما وصلت العسكرة إلى جعل هذه القضية مبرراً لتدهور الأوضاع الداخلية وتعطيل الدساتير وسيادة قوانين الطواريء وتغول ميزانية الجيوش ومعداتها على حساب مشاريع التنمية الاقتصادية بحجة دعم الجيوش العربية، مع أنّ هذه الجيوش لم تخض صراعاً عسكرياً مع إسرائيل منذ قرابة أربعة عقود، وكثير من الأسلحة التي باعتها الدول الغربية لهذه الحكومات، مع ما تتضمنه تلك الصفقات من فساد وعمولات، كلها ذهبت هدراً لأنها لم تعد صالحة للاستعمال، أو دمرت، كما حدث مع الجيش العراقي في الحربين الآخيرتين. وفي المحصلة كان الخط البياني للقضية، ولا يزال، يسير نحو الأسوأ! وودت لو أنّ هنالك دراسة إحصائية تقدم لنا ما أنفقته الدول العربية على جيوشها خلال العقود السابقة بالمقارنة مع ميزانية التنمية والتقدم الاقتصادي.

المشكلة لا تقف عند حدود الأنظمة، إذ تمتد إلى القوى السياسية التي انطلقت من مقدمات صحيحة حول مركزية القضية الفلسطينية لكنها وصلت إلى نتائج ومخرجات خاطئة، وتوازى ذلك مع خطاب سياسي وإعلامي قومي- إسلامي أجّل بدوره "الصراع الداخلي" على أولية قضية الحريات العامة والديمقراطية بذريعة الصراع الأهم مع "الإمبريالية" الغربية الذي تقع القضية الفلسطينية في عمقه الاستراتيجي، فتغاضى هذا الخطاب وأغلق عينيه عن انتهاكات حقوق الإنسان في داخل دول تحكمها أنظمة بوليسية وتحالف مع قوى إقليمية، وكل ذلك أيضاً "في سبيل القضية"، مع أنّ رؤية تلك الدول للقضية لا تعدو توظيفها كورقة سياسية داخلياً (ضد المعارضة) وخارجياً (في مفاوضاتها مع الإدارة الأميركية). فلا فلسطين استفادت من أطنان الخطابات والشعارات ولا المجتمعات العربية حققت أي تنمية داخلية حقيقية. بل كان المستفيد الرئيس من ذلك النظم الاتوقراطية التي صدّرت دوما أزماتها الداخلية إلى الخارج وعلقتها على مشجب القضية! ما أدّى إلى تراجع أولية الديمقراطية والإصلاح حتى في وعين الشارع العربي ذاته في مقابل التركيز الدائم على الصراع الخارجي.

وفي الفترة الأخيرة دخلت "القاعدة" وجماعاتها على "خط القضية" مباشرةً – كما يرصد جيل كيبل في كتابه "الفتنة: في حروب ديار المسلمين"- وكانت القضية هي محفز رئيس وذريعة كبرى للقاعدة للقيام بأحداث الحادي عشر من سبتمبر. ويمكن الإحالة في هذا السياق إلى كتاب أيمن الظواهري (الرجل الثاني في القاعدة) "فرسان تحت راية النبي"؛ إذ يؤكد أن الإسلاميين أخطأوا استراتيجياً، خلال العقود السابقة، بعدم وضع فلسطين في مركز خطابهم السياسي والإعلامي نحو الشعوب العربية، ولعل هذه الملاحظة – باختزال شديد- تمثل أحد الأسباب الرئيسة التي تفسر تحول "السلفية الجهادية" مما يسمى "العدو القريب" (مقارعة النظم العربية أمنياً) إلى العدو البعيد (مقارعة الولايات المتحدة وإسرائيل).

ليس المطلوب أن يتخلى العرب عن القضية الفلسطينية، ولا أن تتراجع مكانتها، ولا التقليل من دور العامل الخارجي في كوارثنا الحالية.. لكن في المقابل ثمة ضرورة لقراءة جديدة تتجاوز لغة الشعارات والتوظيف السياسي للقضية، تبدأ بإعادة الاعتبار للشؤون الداخلية العربية التي تمثل المحك الحقيقي في مدى قدرة الشعوب والمجتمعات العربية في المساهمة في خدمة القضية الفلسطينية بصورة خاصة، ومواجهة التحديات الخارجية الخطيرة بصورة عامة، ما عدا ذلك ستبقى القضية الفلسطينية ورقة التوت التي تستر الفساد والفشل والعجز!

m.aburumman@alghad.jo   

التعليق