د.باسم الطويسي

المستقبل الذي أتى: في ذهنية التعامل مع الزمن

تم نشره في الجمعة 1 حزيران / يونيو 2007. 03:00 صباحاً

المستقبل الذي أتى؛ هذه هي صيغة التفكير بالقادم والمستقبل من خلال الذاكرة التي تقدمها الذهنية المهددة، حينما تصبح لحظات الزمان الثلاث (الماضي، الحاضر، المستقبل) أزمانا ماضية يحكمها الانتظار للمستقبل الذي سيأتي دون عناء، اللهم إلا مجرد الانتظار حيث تغيب المبادأة والمبادرة ويصبح كل من المجتمع والمؤسسات وكل أنواع السلطة في حالة انتظار مرهق ومملوء بالفراغ والكآبة.

الوظيفة الأيديولوجية للتاريخ مرهونة دوماً بالأساطير ومنظومات القرابة واللغات والجنس والمجال الخاص والرغبات، أيضا مرهونة بانتظار أفعال الآخرين وبتلذذ بالاستسلام الطوعي للهيمنة تحت شعار "لننتظر ربما سيأتي الأفضل"، فذهنية التعامل مع الزمن هي إحدى أسرار النزعة التي تلغي الحياة العربية وتفوت فرص اللحاق وتكرس في كل مرحلة انتكاسات النهضة. قد لا تستطيع الأجيال أن تستوعب ثقل الزمن وبيات التاريخ من حولها، إلا أن هذه الأجيال في مجمل الممارسات الحياتية في الحركة الاجتماعية الرتيبة؛ تعيد المكرور وتبني جدراناً من الوهم حول الذات وسياجاً ضخماً من الأمنيات والخوف، كما يبدو في عدم القدرة على التجاوز والحضور في التاريخ من أجل المساهمة في تفسير الذات أي تفسير التخلف قبل تغيير الأحوال أو ترف الإسهام في تغيير العالم.

إن الحقيقة ليست في الذهن بل في التجربة، والتجربة الحية هي التي تؤدي إلى الإسهام في تغيير العالم، ولكن حينما يغدو التوقف أمام التجربة الأولى طقساً جنائزياً لا ينتهي يتحول النموذج إلى ساحة مقبرة كبرى لا حياة فيها سوى إزعاج الموتى والبرد القارص والظلمة.

الحرس التقليدي يتمسك دوماً بالقوالب المتحجرة تحت مسوغات بائسة، ولا يتوانى كلما جف حبر الموت بأن يضخ قيماً بالية في ردهات المبنى المهجور الذي نقف منذ عقود أو قرون، ولا فرق فلا قيمة للزمن في انتظار ما لا يأتي.

أتذكر هنا المفكر الإيراني المعاصر "دايروش شايغان" إذ يسخط على العربي البدوي الذي داهم أمته الفارسية في ذات لحظة من التاريخ: " لقد رمينا أنفسنا خارج أرض البشر، فلا نحن في أرض الأجداد ولا في أرض السادة الجدد، الغائبون مخطئون دوماً، بكل أسف لقد كنا مخطئين، لأننا غبنا عن موعدنا مع التاريخ".      

إن توترات الزمن وتحولاته الدائبة، تنفي أن يمر في درب واحدة مرتين إلا في ذاكرة الموتى، وتنفي بالتالي خلود التاريخ وأبديته، لتطرح جملة من الأسئلة تتولد في ذات اللحظة إجاباتها، ربما تكون تلك الإجابات مربكة ومشوشة ولكنها إيماءات الولوج إلى الحقائق. أين هي حدود الذاكرة؟ ومن أين يبدأ التفكير بالذاكرة؟ وإلى متى؟ ومن أين يبدأ المستقبل؟ ومتى؟

في المجتمع المهدد؛ المجتمع العاجز عن إنتاج حقائقه وتاريخه بذاته يعامل الإنسان والمجتمع والعقل بطقوسية الأصوليات؛ أصوليات عتيقة وأخرى حداثية تعم المؤسسات وسياسات ونظم الإدارة والأفكار، حينها يخرج العقل من دائرة الاحترام ليدخل دائرة الإباحية، إنه السلوك الإباحي الذي يخرج حقائق التحولات والأزمنة من سلطة احترام اللحظة التاريخية بزمانيتها إلى هيمنة الأزمنة المتتالية وخيباتها، ويسوغ لذلك في الاستعمال المرهق للذاكرة في بعض مساحاتها، أو الإهمال الدائم لمساحات أخرى.

فالمستقبل كان هو الرصيد الضامر في الغيب الذي يمكنه ان يعفي قوى التغيير من مهامها الراهنة، والمستقبل هو المجهول الذي يمتد من الآن إلى ما لانهاية، والذي لا يمكن تحديداً موضوعياً، ولا يفترض فيه استحقاقات تؤدى في الحاضر، أو التزامات ظاهرة. والمستقبل هو القوة الغامضة للتبعية على مستوى القواعد الاجتماعية المختلفة لضمان الرصيد اللازم من الشرعية والاستقرار.

على مدى عقود ماضية قيل الكثير عن التضحيات وعن الخسائر المجانية وعن وهم التحرر والتنمية والتغيير، وظلت كل تلك الخيبات تبرر بالركون الى وعد منتظر بالمستقبل، ورغم كل ما وصلت اليه الأوضاع العربية في هذه اللحظة من سوء، فإن أكثر ماتخشاه المجتمعات العربية اليوم هو المستقبل!

basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا مستقبل (احمد العبادي)

    الجمعة 1 حزيران / يونيو 2007.
    اخي اشكرك على المقال المؤلم حقاً انه مؤلم فوضع العرب وما فيه لا يدلل على اي مستقبل قد اكون متشائم ولكن ما يحدث اليوم على ساحات العرب لا يدلل على اي انتصار فنحن اصبحنامهزومين من الداخل ولا اعلم ماذا سنقول لابناءنا واي انتصارات حققناها لهم وما هو المستقبل الرائع الذي اععدناه ليعيشوا فيه غير مرارة الحروب وخيبات الامل لربما ننتظر من ابناءنا ان يغيروا مجرى التاريخ مستقبلاً