ثورة اليمين في فرنسا

تم نشره في الأربعاء 9 أيار / مايو 2007. 02:00 صباحاً

تُرى هل تتخلى فرنسا عن ثورة مايو/أيار 1968 الملفقة في مقابل ثورة مضادة زائفة في هذا العام، أم أن الفرنسيين فوضوا نيكولاس ساركوزي بإجراء تغيير حقيقي لتحديث بلدهم. ولماذا فاز ساركوزي بالانتخابات كرئيس لفرنسا، وما هي العواقب التي قد تترتب على انتصاره بالنسبة لفرنسا، وأوروبا، والعالم؟

لقد فاز ساركوزي في المقام الأول لأنه رغم أن بعض من صوتوا لصالحه ربما كانوا يخشون قوة شخصيته المفرطة، إلا أن العديد من الفرنسيين يعتقدون أن سيغولين رويال تفتقر إلى عمق الشخصية - وهو الانطباع الذي تأكد بعد المناظرة المباشرة التي دارت بينهما. والحقيقة أن فشل رويال، على الرغم من حماسها وعزيمتها، لم يكن لأنها امرأة، بل كان على الرغم من كونها امرأة.

في العام 1968، بعد عشرة أعوام من حكم تشالز ديغول، وفي غمرة فترة من النمو القوي والتشغيل الكامل للعمالة، شعر الفرنسيون بالملل. واليوم، بعد 12 عاماً من حكم جاك شيراك و14 عاماً من حكم فرانسوا ميتران، وفي ظل معدلات نمو أدنى من نظيراتها في أكثر بلدان أوروبا ومستويات ديون وبطالة أعلى من نظيراتها في أكثر بلدان أوروبا، ينتاب فرنسا القلق من الانحدار والذبول وتبدي رغبتها في الإصلاح. والذي أدركه ساركوزي على نحو أفضل من أي شخص غيره أن فرنسا، بعد مرور 39 عاماً منذ مايو/أيار 1968، أصبحت راغبة في العمل، وليس الحب.

إن أكثر الناخبين الذين صوتوا لصالح ساركوزي يتوقعون دولة من نوع مختلف، دولة قادرة على توفير الأمن البدني ضد العنف وأقل قدرة على تعقيد حياتهم على الصعيدين الاقتصادي والمالي. وفرنسا على هذه الصورة لابد وأن تؤيد ساركوزي بكل حماس؛ رغم أن العديد من الفرنسيين ينظرون إليه باعتباره علاجاً بغيضاً إلا أنه ضروري لشفاء فرنسا من وعكتها.

إن التحذيرات التي أطلقتها رويال في اللحظة الأخيرة، والتي أكدت فيها أن فرنسا سوف تنفجر نتيجة لانتخاب ساركوزي، لم تكن جادة ولم تتسم بالنبالة. إلا أن فرنسا بلد يعاني من انقسامات عميقة ومستعص على الإصلاح. ذلك أن فرنسا لا تشبه بريطانيا العظمى في فترة السبعينيات، حين لم يكن لديها ما تخسره بالسير على درب مرغريت تاتشر القاسي نحو الإصلاح الهيكلي. وحين ينظر الفرنسيون إلى أسلوب حياتهم الفريد وإلى خدماتهم العامة التي ما تزال تتسم بالكفاءة، فإنهم يدركون أن أداء بلدهم ليس على هذا القدر من السوء. إلا أنهم بمزيج من الاكتئاب والخضوع الطوعي، باتوا يدركون الآن أنهم لابد وأن يواجهوا أسباب قصورهم.

إن الفرصة المتاحة أمام ساركوزي لتنفيذ الإصلاحات الأساسية اللازمة لفرنسا لكي تلحق بمعدلات النمو الحالية في أوروبا، لا تتجاوز الستة أشهر. ولكي يتسنى له هذا فهو في حاجة إلى الفوز بأكثرية برلمانية في الانتخابات التشريعية القادمة.

إلا أن ساركوزي يحتاج في المقام الأول إلى تماسك الفرنسيين فيما بينهم. ولتحقيق هذه الغاية فلابد وأن يحشد الطاقات الإيجابية التي رفعته إلى السلطة، دون أن يتسبب في تأجيج الطاقات السلبية التي ستجتمع على مقاومة التغيير.

الحقيقة أن هذا سوف يشكل التحدي الرئيسي في مواجهة ساركوزي. لقد أظهر مواهبه التلقينية أثناء حملته الانتخابية، إلا أن صرامته المعهودة لابد وأن تكون مصحوبة بشعور قوي بالاحترام لهؤلاء الذين لم يصوتوا لصالحه، وبصورة خاصة بين جاليات المهاجرين. فلكي يحقق النصر في الانتخابات، لجأ ساركوزي إلى استغلال مخاوف قطاع عريض من جمهور الناخبين، ولكي يكتب له النجاح فلابد وأن يغرس الأمل.

إذا ما تحدثنا عن أوروبا، فإن انتخاب ساركوزي لا يشكل بالنسبة لها فألاً سيئاً. فمع أن المشاكل التي يواجهها الاتحاد الأوروبي لن تحل لمجرد انتخاب فرنسا لرئيس جديد، إلا أن تصور ساركوزي لمعاهدة دستورية مبسطة تحل محل مسودة الدستور التي رفضها الناخبون الفرنسيون والهولنديون في العام 2005، يعتبر أكثر واقعية من دعوة رويال إلى عقد استفتاء جديد.

منذ بضعة أعوام ألمح ساركوزي إلى إنشاء نادٍ مؤلف من ست دول لتوجيه وإرشاد أوروبا. إلا أن بولندا استبعدت نفسها من دائرة البلدان التي تشكل أهمية على الصعيد السياسي، كما بادر قادة إيطاليا وأسبانيا إلى مناصرة رويال علناً. وفي بريطانيا يوشك غوردون براون، المتشكك في أوروبا كما يبدو، أن يحل محل توني بلير. وهذا يعني أن التحالف الفرنسي الألماني سوف يضطلع بدور قيادي، ولو لغياب من يضطلع بهذا الدور غيره.

بطبيعة الحال، لن يعيد ساركوزي والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل تأسيس التحالف الخاص الذي كان بين هلموت شميدت وفاليري جيسكار ديستان، أو بين فرانسوا ميتران وهلموت كول. إلا أن مستقبل أوروبا سوف يعتمد مرة أخرى على الحكومتين في برلين وباريس إلى حد كبير.

الحقيقة أن انتصار ساركوزي لن يحدث فارقاً ضخماً بالنسبة للعالم خارج أسوار أوروبا. فبينما كان شيراك يبدي اهتماماً خاصاً بشؤون العالم، سنجد أن ميول ساركوزي وحساباته السياسية تفرض عليه التركيز، في البداية على الأقل ـ وفي غياب أزمة دولية كبرى ـ على الشؤون الداخلية. وحتى بالنسبة للعلاقات بين ضفتي الأطلسي، فإن التغيير سوف يقتصر على الأسلوب وليس على المحتوى.

لكننا بدأنا نشعر بنفوذ ساركوزي على الصعيد الدولي في حالة تركيا على الأقل. فلقد أسهمت معارضته الواضحة لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، علاوة على عدم وضوح الأجندة التي يتبناها الحزب الإسلامي الذي يتولى السلطة هناك الآن، في إحداث الأزمة التركية الحالية، ولو جزئياً. فما الذي يدفع القوى المعارضة في تركيا إلى السلوك المتحفظ المعتدل بعد أن غاب الأمل في عضوية الاتحاد الأوروبي؟

لقد باتت فرنسا اليوم أمام فرصة فريدة لتكييف نفسها مع ضرورات التغيير. ولقد أظهر الشعب الفرنسي قدراً عظيماً من النضوج في هذا السياق، إلا أن ساركوزي لابد وأن يعمل من منطلق شعوره بالمسؤولية في محاولاته لإثبات قدرته على تغيير فرنسا وحمل الفرنسيين على التصالح فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين وضع فرنسا الجديد في عالم تحكمه العولمة.

دومينيك مويزي مؤسس وكبير مستشاري المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (Ifri)، ويعمل حالياً أستاذاً بكلية أوروبا في ناتولين بمدينة وارسو.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق