لعبة النهاية في كوسوفو

تم نشره في الجمعة 13 نيسان / أبريل 2007. 03:00 صباحاً

في غضون الأشهر القادمة، سوف يُـتَـخَذ قرار جوهري يشكل تحدياً لقدرة المجتمع الدولي، وأوروبا بصورة خاصة، على حل الصراعات.

تتعلق القضية بوضع كوسوفو - الجزء الأخير من لغز البلقان الملطخ بالدماء. ففي نظر الصرب والألبان على السواء، تشكل كوسوفو مكاناً يسكنه شبح التاريخ. إلا أن العالم لا ينبغي له أن يسمح لروايات الماضي الأليم بإفساد الجهود الرامية إلى بناء مستقبل أفضل.

في أعقاب الفظائع التي ارتكبت في البوسنة في التسعينيات بادر نظام سلوبودان ميلوسيفيتش الصربي إلى إلغاء الحكم الذاتي الذي كان قائماً منذ مدة طويلة في كوسوفو، وقمع حقوق الأكثرية الساحقة من السكان الألبان في ذلك الإقليم. إلا أن حلف شمال الأطلسي بدلاً من أن يراقب بفزع، كما فعل في بداية حرب البوسنة، قرر أن يتدخل قبل أن تتمكن قوات ميلوسيفيتش مرة أخرى من تدمير عنصر آخر من المجموعات العرقية التي كانت تشكل يوغوسلافيا السابقة. وآنذاك كان أمن الاتحاد الأوروبي والمسؤولية الأخلاقية الأوروبية على المحك، بعد الجرائم التي شهدتها الحرب العالمية الثانية.

بعد تدخل حلف شمال الأطلسي، توصل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإجماع إلى القرار رقم 1244، الذي وضع كوسوفو تحت إدارة الأمم المتحدة. ومنذ العام 1999 كانت سياسة المجتمع الدولي في التعامل مع كوسوفو تحظى بدعم دولي واسع النطاق، بما في ذلك من جانب روسيا.

والآن حان الوقت لحل وضع كوسوفو بصورة نهائية. وإلا فإن الاستقرار الذي حققته الأمم المتحدة في كوسوفو والمنطقة، لن يدوم. فقد بلغت معدلات البطالة الآن في كوسوفو 40%، الأمر الذي بدأ يولد نوعاً من التقلب السياسي. ومن دون قدرة كوسوفو على الحصول على قروض سيادية من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فلسوف يستمر اقتصادها في الركود.

إن حل وضع كوسوفو يشكل ضرورة أيضاً بالنسبة للأقلية الصربية التي تسكن الإقليم، والتي يعيش أفرادها حتى الآن في حالة من عدم اليقين، والحيرة بين بلغراد وبريستينا فيما يتصل بمساعيهم الرامية إلى حماية حقوقهم. ولسوف يكون من الملائم بالنسبة لصربيا والاتحاد الأوروبي أن يحدث تقدم على مسار الإصلاحات الداخلية في صربيا ودمجها في المجتمع الدولي.

بعد أربعة عشر شهراً من المفاوضات المكثفة مع بلغراد وبريستينا قدم مارتي أهتيساري رئيس فنلندا السابق ومبعوث الأمم المتحدة الخاص للإشراف على عملية وضع مستقبل كوسوفو، مقترحاته الخاصة بالتسوية إلى مجلس الأمن. والحقيقة أن اقتراح أهتيساري الجريء، الذي يوصي بمنح كوسوفو الاستقلال تحت إشراف أولي قوي من جانب حضور مدني وعسكري دولي قوي، يشكل الخيار الوحيد القابل للتطبيق أمام المجتمع الدولي، وأوروبا بصورة خاصة.

إن إعادة ضم كوسوفو إلى صربيا ليست بالفكرة المقبولة ولا المعقولة. فمنذ نهاية الصراع في يونيو/حزيران 1999، لم تمارس صربيا أي شكل من أشكال السلطة الحاكمة على كوسوفو. وبعد أن نشأت مؤسسات شرعية في كوسوفو تحت إدارة الأمم المتحدة، لتدبير الشؤون الداخلية، أصبح أهل كوسوفو يتوقعون قدراً أعظم من حكم الذات.

ومن المؤسف أن رؤية بلغراد التي تتلخص في عودة كوسوفو إلى الحكم الصربي - ولو في ظل الحكم الذاتي- تتجاهل هذه الحقائق. ومن المؤكد أن صربيا لا تملك أي إستراتيجية قابلة للتطبيق بشأن استيعاب أهل كوسوفو الذين يبلغ تعدادهم 2 مليون نسمة داخل المؤسسات السياسية الصربية والحياة العامة.

والأمم المتحدة لا تستطيع ببساطة أن تتصدى لحل المشاكل البنيوية في كوسوفو، وبالتحديد الحاجة إلى تنمية الاقتصاد والشروع في الارتباط مع الاتحاد الأوروبي - وهو المحرك الأكثر قوة للإصلاح والتنمية الاقتصادية في المنطقة. إلا أن هذا لا يعني أن المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي يتعين عليهما أن يتركا كوسوفو لتتدبر شؤونها بنفسها.

ما تزال العلاقات بين الأكثرية من ألبان كوسوفو والأقلية الصربية متوترة. وعلى هذا فلابد من اتخاذ سبل الوقاية اللازمة لحماية الأقليات، وبصورة خاصة الصرب. وهنا يشكل الإشراف الدولي على استقلال كوسوفو من قِـبَل حضور دولي مدني وعسكري قوي عاملاً على قدر عظيم من الأهمية لضمان وفائها بالتزاماتها طبقاً لاقتراح التسوية.

إن الأمر يتطلب الآن وجود الإرادة اللازمة لتبني وتنفيذ خطة أهتيساري. وفي غضون الأسابيع المقبلة سوف يقرر مجلس الأمن وضع كوسوفو النهائي، إلا أن الاتحاد الأوروبي هو الذي سيضطر إلى التعايش مع كل من كوسوفو وصربيا.

الحقيقة أن مصير كوسوفو مرتبط بمصير الاتحاد الأوروبي. ذلك أن وجود كوسوفو قوية ومستقرة يستلزم وجود أوروبا متماسكة وموحدة. وإذا ما انقسم الاتحاد الأوروبي بشأن قضية تقع وسط قلبه الجغرافي ـ وفي قلب مصالحه ـ فلسوف تتزلزل مصداقيته ككيان فاعل في السياسة الخارجية فيما يتصل بكل ما يقع خارج حدوده. ولن يتسنى إلا لاتحاد أوروبي متماسك أن يحمل روسيا على المشاركة في سياسة منسقة بشأن التعامل مع البلقان.

هذا يعني أن الاتحاد الأوروبي لا يستطيع أن يترك صربيا أيضاً لتدبير شؤونها بنفسها. بل يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يوضح بما لا يدع مجالاً للشك أنه على استعداد لدعم صربيا ـ والمنطقة بالكامل ـ في تحقيق طموحاتها الأوروبية. ولابد وأن ندرك أن الأمن الأوروبي معلق على تماسك صربيا، بقدر تعلق الطموحات الصربية بالاتحاد الأوروبي.

إلا أن ثمن دعم الاتحاد الأوروبي لا يجوز أن يتغير: والذي يتلخص في ضرورة تسليم راتكو ملاديك ورادوفان كارادزيك إلى المحكمة الجنائية الدولية المختصة بيوغوسلافيا السابقة في لاهاي. واليوم، تماماً كما كانت الحال بالأمس، تتوقف الخطوة الأولى نحو اندماج صربيا في أوروبا على التعاون التام مع المحكمة الجنائية الدولية المختصة بيوغوسلافيا السابقة.

الحقيقة أن صربيا ينتظرها مستقبل مبشر مع الاتحاد الأوروبي، إلا أن الوصول إلى ذلك المستقبل يفرض عليها أن تنفصل عن ماضيها - سواء في كوسوفو أو الفظائع التي ارتكبت في عصر ميلوسيفيتش.

يوشكا فيشر كان وزيراً لخارجية ألمانيا ونائباً لمستشارها في الفترة من 1998 إلى 2005. وهو أحد زعماء حزب الخضر منذ ما يقرب من العشرين عاماً، ويعمل حالياً أستاذاً زائراً بكلية وودرو ويلسون في جامعة برينستون.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت ومعهد العلوم الإنسانية.

التعليق