إبراهيم غرايبة

أكثر من كونها وسائل إعلام

تم نشره في الجمعة 13 نيسان / أبريل 2007. 02:00 صباحاً

لم تعد وسائل الإعلام والاتصالات وسيلة للحصول على الخدمات الإخبارية والترفيهية، ولكنها أبعد من ذلك بكثير، فهي اليوم مرتبطة بحياة الناس الاقتصادية والاجتماعية، وتشكل حياة الناس وتقود رؤيتهم ووعيهم ومواقفهم في مجالات وتفصيلات تتجاوز السياسة والأخبار وعلاقات الدول فيما بينها، وتكاد تكون هي التي تقود السياسة والاقتصاد والثقافة والاستهلاك والتشكيلات الاجتماعية والسياسية، هذه الشبكة الهائلة والعملاقة لم تعد الدول والمجتمعات تملكها أو تسيطر عليها، ولكنها تقترب من حالة عالمية خارجة عن السيطرة، وتفرض على الناس أذواقهم في اللباس والطعام والاستهلاك وأنماط حياتهم وتقويمهم لأنفسهم وللآخرين.

واليوم فإن الأدوات والنظريات والمؤسسات التي تنظم الحياة المعاصرة ومعظمها ينتمي إلى الثورة الصناعية، الدول الحديثة والدساتير والتشريعات، والمدارس والجامعات، والنظريات الاجتماعية، فعلم الاجتماع القائم يعود إلى المفكرين(اوغست كونت، إميل دوركهايم، كارل ماركس، ماكس فيبر، ..) الذين شغلوا بالتحولات الكبرى التي صاحبت الثورة الصناعية والثورات السياسية، ولكنها نظريات ومعارف لم تعد كافية وربما غير ملائمة لفهم وتنظيم الثقافة والمجتمعات الجديدة التي تتشكل، وبدأت بالفعل تظهر تحديات ومآزق كبرى تجعل هذه المعرفة الهائلة والمتراكمة على مدى قرنين من الزمان شيئا تاريخيا ربما يمضي إلى المتاحف مع الاحترام والتقدير.

فيعتبر عالم الاجتماع الفرنسي جون بودريار أن وسائل الاتصال الإلكترونية قد دمرت العلاقة التي تربطنا بماضينا، وأنشأت حولنا عالما من الخواء والفوضى، ويرى بودريار أن القوى الاقتصادية التي شغل بها كارل ماركس لم تعد مؤثرة في تشكيل المجتمع، ولكن ما يؤثر في المجتمعات اليوم هو الإشارات والصور، والمعاني والدلالات تستمد من تدفق الصور على نحو ما نشاهده في برامج التلفاز، حتى إن الجانب الأكبر من عالمنا قد غدا يمثل كونا موهوما ومصطنعا نستجيب فيه ونتفاعل مع صور إعلامية لا مع أشخاص وأحداث وأمكنة واقعية حقيقية، وقد غدونا نتأثر بـ"المشاهد" التي "تعرض" علينا عن الأحداث والكوارث والمشكلات أكثير بكثير من تأثرنا بالمضمون الحقيقي لهذه الوقائع، وهكذا فإن الحياة بمنظور بودريار تحل وتذوب في إطار شاشات التلفاز.

وقد يبدو انتشار القنوات الفضائية العربية ومواقع الإنترنت ووسائل الإعلام والاتصالات الأخرى وجعلها جزءا من السياسة ومن حياة الناس، وتشكيل آرائهم وأفكارهم ومواقفهم أمرا جيدا، وأنها أوقفت الوصاية الرسمية والعالمية الخارجية على ما يشاهده المواطنون، فقد كانوا قبل ذلك ملزمين بمتابعة ومشاهدة التلفزيون الرسمي في بلدهم، الذي كان يختار لهم الأخبار والمعلومات والأفلام والمسلسلات والأغاني والثقافة، أو ما يعتبره كذلك، مستغلا حالة الاستسلام اللذيذ لدى الناس للصورة ليصوغهم في مسار واحد من التفكير والرؤية، أو ليمنع عنهم ما لا يريده من الدنيا المحيطة بهم، ولكن ذلك لم يكن المشهد كله، فما تزال الحكومات والشركات العالمية والمحلية المتحالفة معها تسيطر على وسائل الإعلام والاتصالات حتى التجارية منها أو التي تبدو مستقلة، ولم تكن العولمة وتسهيلاتها الجديدة في الاتصالات والمعلومات وشبكيتها سوى فرصة إضافية لتحقق مزيدا من الهيمنة، واكتشفنا نحن الإعلاميين أننا لا نملك في العمل سوى الحيلة والتسلل والتملق الذي نقاوم به الخوف من الجوع أو نشبع تطلعاتنا إلى حياة زاهية مليئة بمتعة الاستهلاك، والتغابي الذي نحسبه ذكاء.

وبصراحة مخزية كنا مثل قنافذ محاصرة في حديقة حيوان صغيرة لا تملك من أمرها شيئا، فتحولنا إلى حديقة شاسعة مفتوحة، قد تكون في سعتها أكبر من الغابة، وقد لا نستطيع الإحاطة بها، ولكنا بقينا في المسار المصمم لنا، ولا تبدو شراستنا ومعارضتنا سوى لعبة مسلية لأصحاب الحديقة وزوارها، وديكور مدهش يجلب التذاكر والمتعة والترفيه، ويرضي ضمائرنا على نحو مزيف صنعناه لأنفسنا وصدقناه.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق