كيف نجعل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يعملان لمصلحة الفقراء

تم نشره في الاثنين 9 نيسان / أبريل 2007. 03:00 صباحاً

ظل البنك الدولي، منذ أمد بعيد، يعلن عن حلمه في "عالم خالٍ من الفقر". وربما يرغب صندوق النقد الدولي على نحو مماثل في "عالم خالٍ من الأزمات المالية". والحقيقة أن هذين الهدفين على قدر عظيم من الأهمية والصعوبة، إلا أنهما هدفان ضيقان بالنسبة للقرن الواحد والعشرين.

فلكي تستمر هاتان المؤسستان الدوليتان، اللتان أنشئتا في بريتون وودز، في أداء وظائفهما الحيوية، لا بد وأن تتكيفا بشكل كامل مع احتياجات دول العالم التي تشهد نهضة سريعة. ومن الممكن أن تبدأ عملية التكيف هذه أثناء اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن هذا الربيع.

كما يقر العديد من المحللين الآن، فإن صندوق النقد الدولي لا بد وأن يتطلع إلى ما هو أبعد من إدارة الأزمات المالية، فيبدأ التعامل مع السلوكيات الاقتصادية غير التعاونية، وأبرزها في مجال السياسات النقدية. إن المجتمع الدولي سوف يجني الكثير من المكاسب من تحول صندوق النقد الدولي إلى مركز للمراقبة المشتركة، والحوار الدائم بين دول العالم الغنية ودوله الفقيرة ودوله الناشئة. ولكن لكي تتحقق هذه الغاية، لا بد وأن يكون للدول الفقيرة والناشئة دور أكبر في صناعة القرار.

مما يدعو إلى التفاؤل أن مثل هذا الإصلاح أصبح أخيراً على جدول الأعمال. ففي الخريف الماضي، وافق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في اجتماعاتهما على زيادة حصص التصويت لبعض الدول الناشئة الأفقر تمثيلاً، مثل الصين، والمكسيك، وكوريا الجنوبية، وتركيا. والجولة الثانية من التعديلات سوف تتطلب إشراك الدول ذات الاقتصاد السريع النمو، بشرط ألا يؤثر ذلك على أصوات أكثر الدول فقراً.

الحقيقة أن البنك الدولي لا يحتاج إلى تعديل موقفه كثيراً فيما يتصل بترسيخ نفسه في الدول الناشئة، مقارنة بصناعة مساعدات التنمية بصورة عامة. ويتعين على المجتمع الدولي أن يقاوم الدعوات قصيرة النظر التي تنادي بالانسحاب من الدول ذات الدخول المتوسطة، بدعوى أنها أصبحت قادرة الآن على "الاستمرار من دون مساعدة خارجية".

حين يتصل الأمر بحوكمة العالم، والأمراض المعدية، وتغير المناخ، أو المخاطر التي تهدد التنوع الاحيائي، فإن أهمية مثل هذه الدول تتجلى بصورة واضحة. ذلك أن هذه الدول تشتمل على 44% من المصابين بمرض الإيدز أو الفيروس المسبب له، وتتسبب في انبعاث 47% من غاز ثاني أكسيد الكربون على مستوى العالم، وتحتوي على 52% من المناطق الطبيعية المحمية على كوكب الأرض. ولا يستطيع المجتمع الدولي ببساطة أن يترك هذه الدول تعمل وفق هواها فيما يتصل بقضايا على قدر عظيم من الأهمية كهذه من دون أن يعرض مستقبل العالم للخطر.

إن مكافحة الفقر لا تشكل هدفاً قابلاً للنقاش أو التفاوض، إلا أن هذا الهدف ليس من الممكن أن يصبح الغاية الوحيدة للمساعدات الدولية أو البنك الدولي. والحقيقة أن الالتزام الصادق بتقليص الفقر يعني ضمناً العمل بالتعاون مع هذه الدول. فهي موطن لحوالي 70% من سكان العالم الذين يعيشون على أقل من دولارين يومياً، فضلاً عن تحديات أخرى تواجهها مثل معدلات البطالة الهائلة، والتفاوت الفادح، والافتقار إلى البنية الأساسية، والخلل في التوازنات الإقليمية، وعدد هائل من التحديات الأخرى.

يزعم بعض المنتقدين أن إقراض الدول ذات الدخول المتوسطة لم يعد ضروريا، وذلك بسبب اكتسابها القدرة على الوصول إلى الأسواق المالية العالمية. وقد ارتفعت تدفقات رأس المال الخاص حقاً في أعقاب تحرير التجارة عالمياً، وبفضل خطط الخصخصة التي تبنتها هذه الدول. إلا أنه من الثابت أن تدفقات رأس المال تتسم بالتقلب والميل إلى الانقطاع المفاجئ، كما أثبتت الأزمة المالية التي شهدتها آسيا وروسيا في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، أو كما حدث أخيراً حين بدأ المستثمرون في الانسحاب من مشاريع البنية الأساسية.

ومن بين الشبهات الأخرى التي تحوم حول الإقراض العام أنه يزاحم الاستثمارات الخاصة. ولكن هناك من الأدلة المتزايدة ما يؤكد بالوثائق التأثيرات الإيجابية التي تخلفها الاستثمارات العامة على الإنتاجية والنمو الاقتصادي. وهذا يقترح إمكانية عمل كل من العنصرين -الإقراض العام، والاستثمارات الخاصة- كمكمل للآخر، وليس كبديل له.

في النهاية، يلوذ المنتقدون بحجة مفادها أن معدلات إقراض الجهات الدولية للبلدان ذات الدخول المتوسطة تتضاءل مع تضاؤل الطلب. ولكن على الرغم من تناقص حجم القروض بمقدار الثلث منذ الأزمة المالية الأخيرة، إلا أن هذا لم يكن سوى عودة إلى الوضع الطبيعي. فبعد أن سجلت القروض ارتفاعات غير مسبوقة نتيجة للمساعدات الطارئة لدول مثل كوريا الجنوبية أو الأرجنتين، عادت من جديد إلى معدلها الطبيعي، وهو حوالي 25 بليون دولار أميركي سنوياً. وعلى الرغم من تراجع قروض البنك الدولي عن مستوياتها في منتصف التسعينيات، إلا أنها بدأت في النمو من جديد، الأمر الذي يعكس توسعاً في البنوك الإقليمية متعددة الجنسيات، وعودة السياسات إلى التوجه نحو مشاريع البنية الأساسية الممولة بقروض عامة.

هذا لا يعني أن العودة إلى جدول الأعمال المعتاد تكفي بالنسبة للبنك الدولي، بل لقد أصبح لزاماً عليه أن يعيد تكييف منتجاته. فمع انتشار عدم المركزية في العديد من الدول الناشئة، أصبحت السلطات الوطنية الفرعية تتولى المزيد من المسؤوليات. ولا بد وأن يكون البنك قادراً على التعامل مع هذه السلطات في ظل غياب الضمانات السيادية، وأن يزيد من عروض الإقراض بالعملات المحلية، نظراً لعجز هؤلاء الشركاء عن تحمل المجازفات الخاصة بالعملة. فضلاً عن ذلك، فقد باتت الهندسة المالية الدقيقة مطلوبة للاستفادة من إبداع الأسواق المالية.

أخيراً، وكما أشار ديفيد دي فيرانتي، نائب رئيس البنك الدولي الأسبق، فلا بد وأن يحرص البنك الدولي على توسيع نطاق شراكته الفكرية والاختلاط بالمحترفين من ذوي التدريب الراقي، والشركات الاستشارية، والمعاهد البحثية التي تتباهى بها الدول الناشئة الآن. كما يتعين على البنك أن يفتح الباب أمام الإبداع المحلي إذا ما أراد أن يحظى بقبول الدول ذات الدخول المتوسطة.

وإذا ما تحدثنا عن تكافؤ القوى الشرائية، فإن نصيب الفرد من الدخل في الدول ذات الدخول المتوسطة مايزال يشكل حوالي 15% من نظيره في الدول المتقدمة. وهذا يعني أن الوقت لم يحن بعد للتصافح وفض الشراكة. لقد بات تضييق الفجوة أمراً ممكناً، إلا أن تقليص التكاليف العالمية المترتبة على هذا تتطلب إعادة تنظيم مؤسساتنا الدولية بحيث تصبح قادرة على التعامل مع التحديات التي تواجهها الدول الناشئة.

جين-ميشيل سيفيرينو نائب رئيس البنك الدولي الأسبق، وهو رئيس الوكالة الدولية للتنمية (AFD) التابعة لفرنسا.

خاص بـ"الغد"، بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق