التوصل إلى اتفاق مع إيران

تم نشره في الاثنين 26 آذار / مارس 2007. 03:00 صباحاً

هناك مثل أميركي حكيم يقول: "إذا سقطت في حفرة، فالسبيل إلى الخروج منها ليس بالمزيد من الحفر". إن الحكومات الست التي تفكر حالياً في الخطوة التالية لمنع إيران من إنتاج القنبلة النووية - الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة وألمانيا- لا بد وأن تنتبه إلى هذه النصيحة، وإلا فقد ينتهي بها الحال إلى فقدان كل السيطرة وإفساد كل السبل للتعامل مع البرنامج النووي الإيراني، فلا يتبقى أمامها سوى خيار واحد - عقيم- وهو توجيه ضربة عسكرية إلى إيران.

مع ذلك، تبدو الحكومات الست عازمة على الاستمرار في استراتيجيتها التي ظلت تتبناها حتى الآن. إن الشرط المسبق الذي وضعته هذه الدول للتفاوض مع إيران يتلخص في تعليقها لأنشطة تخصيب اليورانيوم. ولا تعتزم هذه الدول تقديم أية مكافآت كبرى إلى إيران - بداية من رفع كافة العقوبات والقيود التجارية إلى تقديم الضمانات الأمنية- إلا في مقابل تخليها التام والدائم عن أنشطة تخصيب اليورانيوم.

إلا أن هذه السياسة لم تنجح حتى الآن، ولن تنجح. فطبقاً لمعاهدة منع الانتشار النووي، التي ما زالت إيران من بين أعضائها، يحق للدول أن تمارس أنشطة تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية، وإيران تزعم أن هذا هو كل ما ترغب فيه. مما لا شك فيه أن إيقاف إيران الكامل لبرنامج التنشيط سوف يكون موضع ترحيب، وذلك لأن إخفاء حكومتها لهذه الأنشطة عن مفتشي المعاهدة لمدة تقرب من العقدين من الزمان يوحي بأن دوافعها ليست مدنية بحتة.

إلا أن قضية التخصيب ظلت تتضخم إلى أن تحولت إلى رمز للسيادة الوطنية في إيران، حتى لم يعد في وسع أي حكومة هناك، وليس فقط إدارة أحمدي نجاد الحالية، التنازل أو التراجع. وحين طالب مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إيران رسمياً بوقف برنامج التخصيب وفرض عليها عقوبات معتدلة في شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، كان أن ردت إيران بكل تحدٍّ فقررت زيادة أنشطة التخصيب.

ما العمل الآن إذاً؟ تسعى إدارة بوش الآن، كما هو متوقع منها، إلى ممارسة الضغوط بهدف فرض عقوبات جديدة أكثر شدة، استناداً إلى تحذير ضمني اشتمل عليه قرار الأمم المتحدة السابق، وتزعم كما زعمت أثناء تجهيزها لغزو العراق أن مصداقية الأمم المتحدة أصبحت على المحك. إلا أن الاختبار الحقيقي الوحيد لمصداقية الأمم المتحدة في هذا النزاع هو ما إذا كانت ستتمكن من تقييد إيران قدر الإمكان وحصر أنشطتها في برنامج نووي مدني محض.

إذا ما فشل مجلس الأمن في الاتفاق على عقوبات جديدة - وهو أمر مرجح نظراً للاعتراضات الصينية والروسية- فلسوف يبدو المجلس وكأنه نمر من ورق حقاً. أما إذا نجح في التوصل إلى إجماع على فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية، وربما حتى العسكرية، فإن مصداقية الأمم المتحدة سوف تتوقف على ما إذا كانت هذه التحركات سوف تؤدي في النهاية إلى انصياع إيران.

إلا أن هذا ليس بالأمر المرجح على أية حال. فالعقوبات الاقتصادية الأكثر شدة لن تجبر إيران على الإذعان؛ بل إن العقوبات لن تلحق الضرر إلا بالشركاء التجاريين لهذه الدولة الغنية بالنفط والغاز. والمزيد من التهديدات لن يؤدي إلا إلى دفع المجتمع الدولي نحو التصعيد، وربما العمل العسكري.

قد يكون هذا السيناريو الأخير هو منتهى أمل بعض أفراد حاشية بوش. فعلى الرغم من أن أي ضربة جوية، أياً كانت قوتها، لن تنجح في تدمير كافة المنشآت النووية الإيرانية، بل ولن تؤثر على المعارف التكنولوجية والفنية التي اكتسبتها إيران، فقد تنجح على الأقل في إبطاء البرنامج لبعض الوقت، فتعمل بالتالي كإنذار لأي جهة أخرى قد تسعى إلى إنتاج الأسلحة النووية. إلا أنها مقامرة متهورة. فاليوم تعلن إيران أنها راغبة في احترام معاهدة منع الانتشار النووي، وأنها ليست لديها أية نية في تصنيع القنبلة النووية. أما بعد تنفيذ الضربة العسكرية ضدها من جانب الولايات المتحدة فلسوف يتحول هذان الوعدان إلى تاريخ منسي.

إذا كانت الحكومات الست راغبة في تجنب التصعيد وكبح جماح ديناميكية الانتشار النووي، فلابد وأن تسعي إلى تغيير استراتيجياتها وأهدافها. فبدلاً من أن اعتبار مسألة وقف أنشطة تخصيب اليورانيوم غاية ومنتهى جهودها، لا بد وأن يتلخص هدفها الأساسي في إخضاع الأنشطة الإيرانية إلى أكبر قدر ممكن من التحقق والتفتيش: فإذا ما كانت إيران تريد التخصيب فليكن، ولكن يتعين عليها أن تقبل التفتيش الدولي الدقيق.

ألمح الإيرانيون بصورة متكررة إلى استعدادهم لعقد مثل هذه الصفقة. إلا أن الدول الست رفضت ذلك بدعوى أن هذا النوع من التحقق لا يكفي كضمانة مطلقة ضد تحويل بعض اليورانيوم المخصب إلى الاستخدامات العسكرية. ولكن كما أدركت القوى العظمى أثناء الحرب الباردة، فإن غياب الوسيلة للتحقق المطلق لا يعني أن عمليات التفتيش غير ذات جدوى. ذلك أن عمليات التفتيش ستكون كافية لإخضاع البرنامج الإيراني لقدر أعظم من القيود مقارنة بالوضع القائم اليوم. والحقيقة أن مثل هذا الاتفاق من شأنه أن يمهد الطريق أمام اتفاق أكثر اتساعاً وشمولاً بين إيران والغرب فيما يتصل بالتعاون والاستقرار الإقليمي.

هذا هو السبب الذي لا بد وأن يحمل الدول الست على الكف عن الحفر لأعماق أكبر. وبدلاً من العمل على صياغة عقوبات جديدة يفرضها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فيتعين عليها أن تستغل الأشهر القليلة القادمة في استكشاف القيود وأساليب التحقق والتفتيش التي قد تتقبلها إيران في مقابل السماح لها بالتخصيب.

بطبيعة الحال، لا ينبغي للدول الست أن تستبعد الخيار المتمثل في استصدار قرارات أكثر شدة سعياً إلى حث إيران على التنازل. إلا أن هؤلاء الذين يطالبون مجلس الأمن الآن بإصدار قرار سريع بإدانة سلوك إيران لا بد وأن يتذكروا أمرين: الأول أن مثل هذا القرار ليس من المرجح أن يكون ذا تأثير يذكر، والثاني أن الولايات المتحدة سبق لها أن استخدمت مثل هذه القرارات كذريعة لشن هجوم عسكري بقرار أحادي ودون الرجوع إلى أحد.

كريستوف برترام المدير الأسبق للمعهد الألماني للشئون الدولية والأمنية في برلين.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق