رجل فرنسا الثالث

تم نشره في السبت 24 آذار / مارس 2007. 02:00 صباحاً

هل ينبغي علينا أن نراقب الحملة الانتخابية الرئاسية الفرنسية بإعجاب، أم بقدر من الانزعاج، أو ربما بخليط من الشعورين؟ إنه بلا شك "استعراض" عظيم بكل مقوماته التي تجعله لا يقل نجاحاً عن أحد أفلام هوليوود ساحقة النجاح، بما في ذلك التحول المفاجئ في الأحداث، أو في حالتنا هذه ظهور "الرجل الثالث" فرانسوا بايرو.

على الرغم من أن نجاح بايرو قد يكون أمراً بعيد الاحتمال، إلا أننا لا بد وأن نأخذه الآن على محمل الجد. فقد نجح في المقام الأول في تحويل سيجولين رويال ونيكولاس ساركوزي إلى متحدثين غير عاديين باسمه. فكلما أغرقت رويال في العودة إلى "تقاليد" الحزب الاشتراكي، وكلما بالغ ساركوزي في مغازلة اليمين المتطرف علناً، ارتفعت شعبية بايرو. والحقيقة أن استمرار الشكوك بين الفرنسيين فيما يتصل بكفاءة رويال وشخصية ساركوزي يشكل السبب الرئيس وراء ارتفاع أسهم بايرو الدراماتيكي المثير في استطلاعات الرأي العام، وذلك من 7% مع بداية الحملة الانتخابية إلى 22% الآن.

السبب الثاني وراء صعود نجم بايرو على هذا النحو المثير لا يرتبط بشخصيات المرشحين بقدر ارتباطه بالمزاج النفسي العام الوطني في فرنسا. ذلك أن السبب الذي دفع الفرنسيين إلى التصويت بالرفض في الاستفتاء على المعاهدة الدستورية التمهيدية للاتحاد الأوروبي في أيار 2005، هو ذاته السبب الذي قد يدفعهم الآن إلى التصويت لصالح بايرو، على الرغم من أنه الأكثر تأييداً لأوروبا بين المرشحين الثلاثة.

ولكن ما السبب وراء هذه المفارقة العجيبة؟ إن التصويت برفض المعاهدة الدستورية في العام 2005 يعني الآن رفض زعماء اليسار واليمين الفرنسيين. فإبان انتخابات العام 2002 الرئاسية، كان الإحباط من النظام سبباً في تغذية الدعم القوي للتطرف، إذ تأهل جان ماري لوبان، زعيم أقصى اليمين، إلى جولة التصفية النهائية الثانية. أما في العام 2007، فالعكس هو الصحيح (وهذا يشكل تقدماً حقيقياً)، إذ يعرب قسم ضخم من المواطنين الفرنسيين عن إحباطهم من النظام بالتفكير في التصويت للوسط المتطرف، والذي يمثله بايرو.

دخل بايرو إلى عالم السياسية منذ مدة طويلة، وكان مرشحاً للرئاسة في العام 2002. ولكن على الرغم من أن سجله كوزير للتعليم لم يكن مبهراً على الإطلاق، إلا أنه نجح في تعديل هيئته خلال الأشهر القليلة الماضية، فتحول إلى "الرجل الجديد" في عالم السياسة الفرنسية. فهو يبدو أكثر تشجيعاً مقارنة بساركوزي، وأكثر كفاءة مقارنة برويال. قد لا يكون هذا كافياً لرفع أسهم بايرو في الظروف العادية، إلا أن معارضي المرشحين الرئيسيين على كل من جانبي الانقسام السياسي اليوم يبدون استعداداً واضحاً لتوحيد قواهم مع بايرو، والتخلي عن المعسكرين الآخرين.

إن ما يزيد من احتمالات قوة بايرو إلى هذا الحد يرجع إلى أن التحفظات واسعة النطاق بشأن المرشحين الرئيسين تؤثر بصورة واضحة على حسابات ذوي التوجهات القتالية، وحسابات الساسة على السواء. فعلى الجانب المحافظ، يحرص جاك شيراك على تأييد ساركوزي رسمياً، إلا أنه قد يعمل بصورة مستترة على دفع أكثر مؤيديه ولاءً إلى التصويت لصالح بايرو، حتى لو لم يكن هنالك حب مفقود بين الرجلين. وعلى جانب اليسار، فقد يميل الجناح الديمقراطي الاجتماعي في الحزب الاشتراكي، والذي ساند دومينيك شتراوس ضد رويال، إلى الانحياز إلى بايرو أيضاً، بسبب التحالف المتوقع بين يسار الوسط ويمين الوسط في مرحلة ما بعد الانتخابات.

تؤكد استطلاعات الناخبين أن قسماً كبيراً منهم لم يعقد عزمه بعد، وبصورة خاصة بين مؤيدي بايرو. ومن المبكر إذن أن نجزم ما إذا كان بايرو سيتمكن من الوصول إلى الجولة الثانية، لكن إذا ما حدث ذلك فمن المرجح أن يبدي تفوقاً ملموساً.

إن انتصار بايرو، الذي قد لا يكون مرجحاً إلا أنه ليس بالأمر المستحيل، سوف يشكل ثورة ثلاثية الأبعاد. إذ سيؤدي ذلك الانتصار، أولاً، إلى نهاية الحزب الاشتراكي الذي أسسه فرانسوا ميتران. فبعد الهزيمة المهينة التي لحقت بليونيل جوسبان في العام 2002، لن يتحمل الاشتراكيون فشلاً ثانياً متوالياً في الوصول إلى الجولة الثانية.

فضلاً عن ذلك، فإن انتصار بايرو قد يكون بمثابة المؤشر لنهاية الحزب المحافظ الذي أسسه شيراك، إلى جانب جمهورية شارل ديجول الخامسة. إلا أن التراث الذي خلفه ديجول سوف ينتهي على الأرجح بصورة رقيقة، إذ قد يتضح أن الحنين إلى كل من ميتران وشيراك قوي للغاية بالنسبة للناخبين الساخطين على النظام السياسي، لكنهم يرغبون في نفس الوقت في الحصول على الطمأنينة. قد تكون فرنسا راغبة في وهم التغيير، ولكن هل الاستمرارية هي ما تريده حقاً؟

أخيراً، وعلى الرغم من أن هذه الانتخابات كان من المتوقع لها أن تشكل علامة لبداية جيل جديد من الساسة، إلا أن أحداً لم يتوقع ذلك الـ"تسونامي" السياسي السلمي الذي قد يؤدي إليه انتصار بايرو. مع كل ذلك، فقد تكون هذه هي النتيجة الحتمية إذا ما ثبت أن جاذبية الوسط تتمتع بقوة كبيرة بين شرائح ضخمة من الاشتراكيين والمحافظين، كما يبدو الأمر الآن.

إن فرنسا بلد عامر بالمفارقات المدهشة، لذا فقد يؤدي البحث عن الجديد، إن لم يكن البحث عن الحداثة، إلى عودة الجمهورية الرابعة في هيئة جديدة: نظام برلماني يتسم بنقاط الضعف وعدم الاستقرار. وهذا يتوقف جزئياً على ما إذا كانت النظرة إلى ساركوزي، باعتباره مرشحاً محفوفاً بالخطر، أقوى من الخطر المؤسسي الحقيقي المتمثل في بايرو.

ربما كان التواجد الفرنسي على الساحة العالمية اليوم أقل مما كان عليه منذ اثني عشر عاماً حين تولى جاك شيراك السلطة، وبصورة خاصة منذ رفض المعاهدة الدستورية في العام 2005. إلا أن اهتمام العالم بالحملة الرئاسية الفرنسية اليوم أعظم من أي وقت مضى، ولا يمكن مقارنته إلا بالاهتمام الذي أثاره انتخاب ميتران في العام 1981.

قد يتغير الكثير في غضون الأسابيع القليلة المتبقية قبل الجولة الأولى للتصويت في الانتخابات الرئاسية، إلا أن الحملة الانتخابية تحولت الآن إلى مسألة أرقام: هل ينجح الرجل الثالث في دفن الجمهورية الخامسة؟

دومينيك مويزي أحد مؤسسي وكبير مستشاري المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (Ifri)، ويعمل حالياً أستاذاً لدى كلية أوروبا في ناتولين بمدينة وارسو.

خاص بـ"الغد"، بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق