هل يمكن تحويل بوش إلى مدافع عن البيئة؟

تم نشره في الأربعاء 7 آذار / مارس 2007. 03:00 صباحاً

ينظر العالم عادة إلى الولايات المتحدة باعتبارها كياناً كسولاً متثاقلاً في التعامل مع البيئة، كما يرى الرئيس جورج دبليو بوش باعتباره أفضل قليلاً من رئيس عصابة مؤلفة من ملوثين معاندين لا يتورعون عن القيام بأي تصرف من شأنه أن يعوق التحرك العالمي في سبيل حماية البيئة. مما لا شك فيه أن هذا التشخيص صادق بعض الشيء في وصف أميركا (وصادق إلى حد كبير في وصف بوش)، إلا أن الصورة الحقيقية ليست على نفس الدرجة من الكآبة.

الحقيقة أن حركة حماية البيئة ـ مثلها كمثل أغلب الحركات الاجتماعية ـ بدأت في الولايات المتحدة. وترجع جذور "الحركة البيئية" الأميركية إلى القرن التاسع عشر، حين اتضح لأول مرة الضرر الذي أحدثته الثورة الصناعية والتشوه الذي لحق بالطبيعة نتيجة لحقوق الملكية الفردية.

إلا أن نشر كتاب "الربيع الصامت" في العام 1962 ـ الذي شن هجوماً عنيفاً على استخدام المبيدات الحشرية في الزراعة ـ لعالمة الأحياء راشيل كارسون، كان بمثابة الشرارة التي أطلقت الحركة البيئية الحديثة. اعتمدت كارسون على حقائق واكتشافات علمية، إلا أنها أعربت أيضاً عن مخاوف بشأن الرأسمالية الاستهلاكية والمعتقد الذي ساد في فترة "ما بعد المادية" والذي أعلى من شأن نوعية الحياة على حساب النمو الاقتصادي. وفي أعقاب كارسون سرعان ما بدأ جيل "وودستوك" في فترة الستينيات، وحركة "أيام الأرض" التي أنشأها ذلك الجيل، في تنظيم حملة واسعة النطاق، بلغت ذروتها في العام 1970، حين خرج ما يقرب من العشرين مليون أميركي إلى الشوارع دفاعاً عن البيئة.

في إطار هذه الحركة الجديدة، تشابكت الميول التحررية لدى اليسار الجديد مع الميول الحمائية لدى اليمين التقليدي. ولقد كان لكتاب بول إيرليك "القنبلة السكانية" تأثيراً نافذاً دام حتى يومنا هذا. وسرعان ما تم تصدير الحركة البيئية الأميركية إلى أوروبا وأماكن أخرى من العالم: فمن ناحية نشأت الحركة البراجماتية التي أطلق عليها "أصدقاء الأرض"، ومنظمة "السلام الأخضر" ذات التوجهات الإعلامية، ومن ناحية أخرى نشأت حركات بيئية أصولية مثل "الأرض أولاً!"، وحركة "العدالة البيئية"، أو جماعات الضغط مثل "صندوق الحياة البرية العالمي".

نجحت هذه الحركة في حمل إدارة الرئيس نيكسون المحافظة على إصدار أول قوانين خاصة بالبيئة: قانون البيئة الوطني في العام 1969، وقانون الهواء النظيف في العام 1970، وقانون المياه النظيفة في العام 1972، وقانون الأنواع المعرضة للخطر في العام 1973. وآنذاك، كما هي الحال الآن، كان التركيز على المواضيع "الخضراء" (الماء النظيف، والهواء النقي، والتنوع الأحيائي)، وليس على المواضيع "البنية" الخاصة بالكوارث البيئية مثل كارثة انفجار مفاعل تشرنوبيل(أو هاريسبورج)، التي لعبت دوراً ضخماً في تعبئة وتحريك الأوروبيين.

وأثناء ولاية نيكسون أيضاً أنشئت هيئة حماية البيئة(EPA) ذات النفوذ الواسع. ولقد استعان حماة البيئة بالعلماء، والمحامين، وجماعات الضغط التي كانت حريصة على ضمان تنفيذ القوانين البيئية وليس مجرد تمريرها في الكونجرس.

إلا أن إدارة بوش الحالية كانت حريصة كل الحرص على التملص من قوانين السبعينيات هذه ومراوغتها من كافة الاتجاهات. فقد وافق بوش على استخراج النفط في المحميات الطبيعية المغلقة، كما كافح بصورة منظمة في سبيل قمع الأدلة العلمية التي أكدت تغير المناخ. ولكن الآن، وبسبب ارتفاع أسعار النفط الخام، بات لزاماً حتى على بوش أن يبدأ في التفكير في مصادر طاقة بديلة، وليس من الممكن أن تقتصر هذه البدائل على الطاقة النووية والإيثانول، الذي أصبح استخدامه شائعاً إلى حد كبير بين المزارعين، أو الجمهور الانتخابي الرئيسي لدى بوش.

وحتى القاعدة السياسية التي يستند إليها بوش، أو الأصوليين المسيحيين، أصبحوا الآن من "الخضر" الذين يحثون الإدارة على التوقيع على بروتوكول كيوتو انطلاقاً من اعتقادهم بأن البيئة لابد وأن تحظى بالحماية، مثلها في ذلك مثل الأجنة التي لم تولد بعد. لقد أصبحت "الأصولية البيئية" والدعاية البروتستانتية المناصرة للحياة من بين أشد أفرع حركة حماية البيئة في الولايات المتحدة نشاطاً. وعلى الرغم من الحرج الذي يشعر به نشطاء حماية البيئة "الخضر" نظراً للدعم القادم من مثل هذه الجهات، إلا أنهم يرون فيها حليفاً مفيداً.

لقد أصبح إضفاء "الصبغة الخضراء" على أميركا يشكل توجهاً عاماً. ولا يملك العديد من الأميركيين إلا أن يسخطوا على جماعات الضغط العاملة في مجال الطاقة والتي تحيط بالرئيس بوش ونائبه ديك تشيني. والحقيقة أن أغلبية الأميركيين ظلوا لمدة طويلة يؤيدون التوقيع على اتفاقيات تعددية في مجال البيئة، وبصورة خاصة فيما يتصل بحماية المناخ. كما أدت بعض الكوارث، مثل إعصار كاترينا، إلى تعزيز هذا الموقف.

كل هذا دفع بوش إلى محاولة التكيف ـ ولو شفهياً على الأقل ـ مع رغبة الغالبية العظمى من الأميركيين في الحفاظ على الطاقة. فضلاً عن ذلك، وعلى الرغم من أن بوش لم يقدم سوى أسباب تتعلق بالأمن القومي لتفسير هذا التحول في الرأي، إلا أن النظام الفيدرالي الأميركي يساعد البلاد في تخطي أي عقبة، ولو كانت الرئيس ذاته، حيث ان النظام القائم على "المحلية" وليس المركزية يشجع قيام مبادرات بيئية سياسية على مستوى الولايات، بل وحتى على مستوى المحليات.

لم يكن أرنولد شوارزنيجر حاكم كاليفورنيا وحده من أدرك علامات الزمن وأعلن أهدافاً جريئة تتفق مع بروتوكول كيوتو لولايته التي قد تصبح المنارة التي تسترشد بها حركة التحديث الأميركية بالكامل مرة أخرى. بل لقد كان تغير المناخ أيضاً سبباً في بروز أشخاص مثل جيرومو رينجو رئيس الاتحاد الفيدرالي للحياة البرية الوطنية (NWF) الذي يشكل واحدة من أضخم المنظمات العاملة في مجال حماية البيئية بأعضائه الذين بلغ تعدادهم 4.5 مليون. كما يترأس رينجو أيضاً "تحالف أبولو" المؤلف من نقابات تجارية، وجماعات بيئية، ومدراء، وساسة محليون يطالبون بطاقة نظيفة وفرص عمل لائقة.

لا أحد يستطيع أن يجزم إلى أي مدى قد تستمر أميركا على هذا المسار الأخضر، إلا أن الولايات المتحدة، باعتبارها الرائد الأول في مجال حماية البيئة، قد تتمكن حتى من استعادة نفوذها المفقود في العالم. لقد رسب أولئك الذين يتأففون من الهموم الخاصة بالبيئة في استطلاعات الرأي، وأصبحت الشركات تستثمر مبالغ ضخمة في ابتكار التقنيات البيئية، والولايات ترفع الدعاوى القضائية على منتجي السيارات بسبب سياساتهم الضارة بالبيئة، حتى أن بعض الولايات قد ذهبت إلى ما هو أبعد من متطلبات بروتوكول كيوتو ـ وكل هذه دروس للمدن الألمانية والأوروبية.

كما كانت الحال دوماً، فإن فعالية هذه المبادرات تعتمد بصورة نهائية على قدرتها على الانتشار إلى أجزاء أخرى من العالم، مثل أوروبا واليابان، فضلاً عن الدول الناشئة مثل الصين والبرازيل. لقد حان الوقت كي يبدأ "الخضر" في كل مكان الاهتمام بالأمور البيئية من جديد ـ بل وربما كان عليهم أن يتطلعوا إلى أميركا مرة أخرى طلباً للإلهام، على الرغم مما قد يبدو في هذا الاقتراح من غرابة.

كلاوس ليجيوي مدير مركز الإعلام والتفاعل المشترك بجامعة جيسين في ألمانيا، حيث يتولى أيضاً تدريس العلوم السياسية.

خاص بـ "الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت/معهد العلوم الإنسانية

التعليق