التسوية بين موقفي حماس وفتح

تم نشره في الأربعاء 28 شباط / فبراير 2007. 03:00 صباحاً

يقدر الكاتب الاسرائيلي داني روبنشتاين (هآرتس 26 شباط 2007) بأنّ اجماعا فلسطينيا قد تكوّن بعد مرور 40 سنة على حرب 1967 تجاه دولة اسرائيل، فحواه أن هناك امكانية وضرورة للتوصل لاتفاق للتعايش مع اسرائيل ضمن حدود 1967.

ويصف روبنشتاين الاسرائيليين الذين يفكرون بإمكانية التسوية مع الفلسطينيين على اساس ضم الكتل الاستيطانية المقامة على أرض الضفة الغربية، او على اساس إبقاء القدس تحت السيادة الاسرائيلية، بأنهم يخدعون انفسهم.

ويقول الكاتب الاسرائيلي انه وبالرغم من اية استثناءات فإن هناك اجماعا فلسطينيا شاملا على قيام دولة فلسطينية في حدود 1967 وعاصمتها القدس، كما انه لا يعتقد ان المسائل التي يدور حولها الجدل هذه الايام - حول هدنة دائمة كما تعرض حماس او اتفاق سلام كما تعرض فتح- قضايا كبيرة، فلا فرق في نظره، او في نظر الاسرائيليين بين هدنة طويلة الاجل تحول دون الاشتباك وبين ما يطلق عليه اتفاق سلام.

قد لا يكون في هذا الكلام اي جديد، فلا يصدر عن اية جهة فلسطينية اي قول مختلف، وهذه هي الصيغة التي قامت عليها المبادرة العربية، وهي التي نفترض ان القرارات الدولية وخاصة القرار 242 يؤدي اليها، وكذلك كل الصيغ التي تجاوزها الزمن، او التي تبرز بين الحين والآخر.

الجديد هو ما يبدو انه الربط بين الاقوال والنوايا، فلفترة طويلة كانت التصريحات المتكررة، والتي اشرت اليها قبل قليل، لا تعدو كونها عناوين كبيرة للاستهلاك العام، بينما كانت النوايا تتصور ما هو اقل من ذلك بكثير.

لقد تعودنا على القبول بالأمر الواقع لدرجة أن الذي كان يطالب بحرفية العودة لحدود الرابع من حزيران عام 1967، ما يعني ازالة جميع المستوطنات واسترجاع كامل القدس الشرقية، كما كانت في عهد الوحدة الاردنية الفلسطينية - يعتبر مسرفا في الوهم، ويتهم بمجافاة الواقعية.

ولتأكيد ذلك فإن اتفاق اوسلو قبِل بأقل من ازالة المستوطنات، وبأقل من العودة الفعلية لحدود الرابع من حزيران عام 1967 وقد ميّعت اتفاقات طابا - التي أتت مباشرة بعد كامب ديفيد عام 2000- حق العودة، كما قبلت بصيغ غامضة لتسوية كل قضايا المرحلة النهائية، ثم كان مشروع كلينتون واتفاق جنيف، حيث قدمت منظمة التحرير تنازلات كبيرة بصددها فقط حتى تظل الشريك المقبول لاستمرار عملية السلام العقيمة.

ظلت الحقوق الفلسطينية تتآكل في ظل عملية سلام ميتة. بينما واصلت اسرائيل تهويد الارض واستعمارها واقامة الحقائق الجديدة عليها، وما بنت اسرائيل حجرا واحدا على ارض الضفة الغربية بقصد ازالته عند التوصل لأية تسوية سلمية، بل قصدت ان تقر أية تسوية بالحقائق الجديدة على الارض، وقدم الرئيس الاميركي بوش ضمانا خطيا لشارون بأن هذه الحقائق ستبقى، وان اية تسوية سلمية لن تلغيها.

الجديد، اذن هو ان يطرح موضوع هذه الحقائق وتلك هي البداية، وان تطرح في وسائل الاعلام الاسرائيلية بحيث يعترف كاتب اسرائيلي معروف وصاحب صدقية بأن الاجماع الفلسطيني هو على دولة فلسطينية على الارض التي تحددها خطوط الرابع من حزيران عام 1967 بلا مستوطنات وبلا تنازل عن القدس كعاصمة لتلك الدولة.

ما الذي أوجب هذا التغيير، وما الذي اوجب زعزعة فكر الاستكانة للأمر الواقع، الجواب هو الرفض الفلسطيني المتواصل وبصيغ مختلفة ومنها المقاومة. المقاومة التي فرضت على اسرائيل أن تخرج من لبنان بعد غزو عام 1982 وأن تخرج من الشريط الحدودي من لبنان عام 2000، والمقاومة هي التي فرضت على شارون أن يسحب مستوطناته من غزة، ولم يسحب احتلاله كما كان الادعاء، المستوطنات سحبت لان حمايتها اصبحت عبئا على جيش اسرائيل، لم يكن بمقدوره تحمل تبعاته للأبد، ولكن الاحتلال بقي بصيغة اسوأ وهي الحصار التطويقي لكل قطاع غزة برا وبحرا وجوا وتحويل القطاع الى سجن كبير ولكن بلا حراس في داخله، حرصا على امن هؤلاء الحراس.

ثم عبّر الفلسطينيون عن رفضهم لعملية السلام، ولأسلوب منظمة التحرير التفاوضي التنازلي، ولممارسات سلطتهم الوطنية وما اعترى اجهزتها من فساد وفشل وتبذير وتفريط، عبروا عن كل ذلك بانتخاب حماس، وهي الحركة التي اعادت تعريف اسس التفاوض، ورفضت الانصياع لكل الضغوط والحصار والتجويع والتهديد بتغيير موقفها.

المفاوض البارع لا يطالب فقط بما يسعى فعلا للحصول عليه، لان طبيعة التفاوض تقتضي في النهاية القبول بحلول وسطية، وتفترض تنازلات متبادلة، لذلك يطلب المفاوض الاكثر ليحقق في النتيجة ما هو مطلوب، هكذا تفعل اسرائيل بالتحديد، فعبر تاريخ اسرائيل التفاوضي لم تعلن اسرائيل مرة واحدة عن موقف مسبق، بينما هي تطلب من الجانب الفلسطيني ان يلقي بكل اوراقه على الطاولة مسبقا، وان يعلن كل مواقفه قبل البدء بالتفاوض، حتى يطالب بالمزيد من التنازلات في كل مرحلة من مراحل التفاوض. ما هو اسوأ من ذلك بكثير ان المسألة بالنسبة للجانب التفاوضي الفلسطيني لم تكن مجرد خطأ في الاسلوب والممارسة، بقدر ما كانت تنازلات مجانية عن صميم الحقوق الفلسطينية المقر بها دوليا، فظل السقف يهبط حتى وصل للحضيض.

لهذه الاسباب فشلت عملية السلام وظلت الهوة بين مواقف الفريقين تتسع. فكلما نزّل الجانب الفلسطيني سقف مطالبه رفع الجانب الاسرائيلي بالمقابل سقف مطالبه وواصل خلق الحقائق على الارض.

حماس، كما يقول روبنشتاين، تعرض هدنة غير محدودة على اسرائيل، وذلك في نظره يعادل السلام، والواقعية الحقيقية هي التي توازن بين الجانبين.

اذا كان ابتزاز الضعف الفلسطيني من قبل محتل مدعوم من قبل قوى عظمى قد اوصل الفلسطينيين الى حضيض اليأس، فإن إعادة التوازن ضرورة حتمية لإحياء اي جهد فعلي للسلام.

لا يمكن النزول عن الحد الادنى في كل شيء. الأسس التي بنيت عليها عملية السلام هي دولة فلسطينية على كل ارض الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، كما كانت من ضمنها، لم تنجح اية طروحات اعتمدت على اقل من ذلك، وكانت التكلفة باهظة على العرب والاسرائيليين وعلى المنطقة وأمنها وعلى العالم وأمنه.

لماذا يستمر البحث عن الحل في المكان الخطأ؟! ولماذا يتاح للعنف أن يستمر وللمعاناة أن تتعمق؟! ليس مطلوبا من اسرائيل ان تضحي بأي شيء. المطلوب منها أن تضع حدا لمطامعها الاقليمية الفادحة وتترك للفلسطينيين القليل الذي ارتضوا به ليعيشوا بسلام بجوارها.

سفير الأردن سابقاً في الأمم المتحدة

التعليق