محمد أبو رمان

تقرير حقوق الإنسان وما بعده

تم نشره في الأحد 25 شباط / فبراير 2007. 03:00 صباحاً

ليس من المبالغة القول إنّ تقارير المركز الوطني لحقوق الإنسان تعد الخطوة الأردنية الأهم والأكبر في السنوات الأخيرة في مسار الإصلاح السياسي. ويبدو واضحاً من تقارير المركز ونشاطه الاستثنائي الملفت وعزيمة القائمين عليه، وعلى رأسهم د. أحمد عبيدات، أنّ المركز مصمم على المضي قدماً في طريقه الشاق والصعب، في وضع أرضية صلبة لقضية حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة وتجذيرها بكافة تجلياتها وأبعادها المختلفة.

في حين أنّ رهان البعض على ارتهان تقارير المركز ودوره للمواقف الرسمية أو تراجع نشاطه وموضوعيته مع مرور الوقت، رهانٌ خاسرٌ، وقد كشف ذلك بوضوح التقرير الأخير حول حالة حقوق الإنسان في البلاد عام 2006، إذ يثبت التقرير، بما لا يدع مجالاً للمناورة والتشكيك، أن المركز يسير في خط تصاعدي في تنفيذ مهمته الكبيرة والرائعة، وأنّ هنالك إرادة واضحة تقف وراء نجاح عمل المركز، على الرغم من الصعوبات الجمّة التي تقف في طريقه من قبل بعض المؤسسات الرسمية.

لغة تقرير حقوق الإنسان (2006) واضحة، صريحة وسلسة بحيث يمكن قراءته بسهولة، وهو متوافر على موقع المركز على شبكة الانترنت، وأي عملية اختصار أو تلخيص لمضمون التقرير ستكون مخلة ومجحفة، لأنه – بحق-مهم بكافة فقراته ومضامينه وصفحاته (التي تبلغ إحدى وثمانين صفحة)، ويستحق أن يعمم على المؤسسات الرسمية المعنية ليكون موضع مراجعة ودراسة، كما يستحق أن يدرس، مع تقارير المركز الأخرى في المقررات الجامعية المتخصصة.

الملاحظة الأولى والرئيسة على التقرير ترتبط بمنظوره الشمولي، إذ لم يجتزئ قضايا حقوق الإنسان أو يختزلها في شكاوى معينة أو قضايا محددة، وإنما تعامل معها كمنظومة متكاملة تبدأ من أهم قضايا الإصلاح السياسي كقانون الانتخابات والأحزاب والاجتماعات العامة والجمعيات والجنسية والتداخل بين الجانبين الأمني والسياسي ومكافحة الفساد وتصل إلى حوادث المرور وحقوق الطفل والمرأة والعمالة الوافدة والإقامة وما بينها من عناوين متعددة ومتنوعة، تقدّم جميعها مؤشرات نسبية مختلفة من حيث الدرجة والنوعية عن حالة حقوق الإنسان في البلاد.

هذا المنظور الشمولي، لحقوق الإنسان، يحقق هدفاً سامياً؛ فعلى الرغم من الدور الرائد الذي تقوم به مراكز وجمعيات حقوق الإنسان الخاصة الأخرى إلاّ أنها وقعت اسيرة آفتين كبيرتين؛ الأولى هي التسييس المبالغ فيه لحقوق الإنسان وتغليب جوانب على أخرى، وإهمال موضوعات إنسانية واقتصادية- اجتماعية لا تقل أهمية عن الموضوعات السياسية، ما نزع عن تلك المنظمات دوراً كبيراً ومساحة محترمة من العمل والنشاط كان يمكن ملؤها، لو أن دورها كان متوازناً ومتكاملاً.

أمّا الآفة الثانية فهي أنّ منظمات حقوق الإنسان الخاصة وقعت أسيرة "الأدلجة" وانساقت مع المعارضة وخطابها، فتحولت من جهة رقابية محايدة وموضوعية إلى جهة منحازة تفتقد تقاريرها إلى الموضوعية والرصانة، وتعتمد أسلوب المبالغة والنكاية، وتتبنى وجهات نظر موضع خلاف في بعض الأحيان، على النقيض من تقرير المركز الوطني الذي اتسم بالموضوعية والمهنية العالية فذكر الإيجابيات ونقاط التقدم التي حصلت وتحدّث بجرأة تحسب له عن الانتهاكات المختلفة لحقوق الإنسان، ولم يتوان التقرير في الوقوف عند القضايا الحساسة بميزان القانون ومعايير العدالة، كما حصل في انتقاده للتعذيب داخل سجون الأمن العام والمخابرات العامة ومراكز التوقيف، وانتقاده لتردي الأوضاع الإنسانية والصحية والمعيشية في مراكز الإصلاح والتأهيل.

ومن اللافت الإشارة الدائمة في التقرير إلى ملاحظات المنظمات الدولية حول أوضاع حقوق الإنسان في الأردن، وأغلبها سلبي ويدل على تراجع، وكذلك ربطه الموضوعات المطروحة بالمواثيق الدولية، ما يجعل من التقرير بمثابة قنطرة العبور لتوطين قضية حقوق الإنسان ومنحها وجهاً أردنياً بامتياز. كما أنّ عمل المركز يساهم في "أنسنة" قضية حقوق الإنسان ودفعها إلى أن تصبح جزءاً رئيساً من النقاش السياسي والإعلامي الوطني، وذلك ببناء سجل تاريخي لها يرصد الجوانب التشريعية والإدارية والسياسية والقضائية المختلفة المرتبطة بها، ما يمنحنا وثيقة وطنية مفصلة، ويضع قواعد وإشارات في مسيرة حقوق الإنسان.

في المقابل؛ من الخطأ حمل ما ورد في التقرير - حول قرار فك الارتباط- على محمل سياسي مبالغ فيه. فالفكرة واضحة في التقرير وتقوم على أنّ قضية الجنسية تخضع للقانون والقضاء والمعايير المحددة الواضحة، ولا يجوز ترك الأمر لتقدير الأجهزة الأمنية أو وزارة الداخلية، وهي قضية أصبحت بالفعل موضع إزعاج وقلق لدى عدد كبير من الأسر، كما يرصد التقرير. ويمكن، في هذا السياق، البناء على ما جاء في التقرير من خلال فصل الجانب الإنساني والمدني عن الجوانب السياسية الحساسة.

التقرير، على الرغم من أهميته، لا يزال بلا قيمة عملية إلى الآن، فهو وإن قدّم قراءة دقيقة وموضوعية ورصداً منهاجياً متيناً لسؤال حقوق الإنسان في البلاد، فإنه سيبقى يكرر نفسه كل عام، مع فروقات صغيرة، إن لم يكن هنالك دور إلزامي للمركز وتجاوب من المؤسسات الرسمية، وأن تتحوّل تقاريره إلى ورشات وأجندة نقاش وحوار وعمل بين المركز والحكومة ومؤسسات مجتمع مدني أخرى، بحيث تنشر نتائج وتوصيات تلك الورشات، وتوضع جداول زمنية لتطبيق مخرجاتها.

الغريب هو غياب التعليق الرسمي، وكأن الانتهاكات والقضايا الخطرة، التي تحدث عنها التقرير، هي فقط من باب العلم بالشيء، أو أننا نتحدث عن دولة أخرى!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »انشروا التقرير على الانترنت (م. سليمان الشطي)

    الأحد 25 شباط / فبراير 2007.
    اتمنى من القائمين والمسوؤلين في المركز الوطني لحقوقو الانسان ان يقوموا بنشر تقريرهم على الشبكة العنكبوتية حتى يتسنى للجميع المطالعة وابداء الرأي البناء لمصلحة الجميع.....ودمتم بخير