الموت في سبيل التجارة الحرة

تم نشره في الأربعاء 21 شباط / فبراير 2007. 02:00 صباحاً

كان العام الماضي سيئاً بالنسبة للتجارة الحرة. فقد كان من المفترض في جولة الدوحة أن تجعل من الزراعة مركزاً للمفاوضات بغرض تخفيف الإحباطات العميقة التي منيت بها البلدان النامية. ولكن بدلاً من بث الروح في محادثات التجارة الحرة فيما يتصل بأمور مثل الأغذية، يبدو أن قضية حماية المزارعين في الدول الغنية قد قتلت جولة الدوحة، بل وربما قتلت معها نظام التجارة التعددي بالكامل.

كانت الزراعة تفرض دوماً أعظم التحديات التي تواجه مبدأ التجارة الحرة ووعدها بتمكين الفقراء، وذلك لأنها تشكل واحداً من أكثر المناطق تشوهاً في عالم التجارة الحرة. ففي العام 2004 أنفقت دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ما يزيد على أربعة أمثال ميزانياتها الرسمية الخاصة بمساعدات التنمية، على دعم المزارعين المحليين. وفي العام 2000 أكدت تقديرات البنك الدولي أن الحماية الزراعية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تكلف دول العالم النامي عشرين ألف مليون دولار أميركي سنوياً بسبب الخسائر المترتبة على ارتفاع تكاليف الضمان الاجتماعي. والمزعج في الأمر أن الزراعة تشكل جزءاً ضئيلاً ومضمحلاً من اقتصاد دول "نادي الأثرياء"، وكلما كانت تلك الدول أكثر ثراءً وأضخم حجماً، كلما تضاءلت أهمية الزراعة وتضخم حجم الموارد المهدرة على الرفاهية الاجتماعية في المناطق الريفية.

ويأتي التحدي الأساسي من المزايا التي تتمتع بها الزراعة، والتي تؤدي إلى عزل القطاع الريفي عن قوى السوق العالمية، بل وتعمل على تحويل أكثر الساسة ثقافة وليبرالية إلى مدافعين عنها. الميزة الأولى أن الزراعة تتسم بالتركز الجغرافي، وأن المزارعين يصوتون على السياسات الزراعية في المقام الأول، الأمر الذي يعزز من قوة أصواتهم ـ وهو الأمر الذي نادراً ما يهتم به المستهلكون في المناطق الحضرية.

الأمر الثاني أن مؤيدي الحماية نجحوا في تقديم حجج تتمتع بشعبية كبيرة، ولو أنها محل شك من عدة جوانب منطقية. ومفاد هذه الحجج أن السلع الزراعية الرئيسية لا يجوز التعامل معها وكأنها سلع تجارية خاضعة لقواعد المنافسة. وفي هذا السياق، يتم تصوير المزارعين المحليين كعامل لا غنى عنه في الدفاع عن النسيج الاجتماعي والقيم التقليدية. فضلاً عن ذلك، فإن الزراعة تصور باعتبارها نظيراً للقطاع العسكري في الأهمية. على هذا، وكما لا يجوز تكليف جهات أجنبية غير جديرة بالثقة بحماية الأمن القومي، فلا يجوز لأي حكومة أن تسمح للإمداد الوطني من الغذاء بالاعتماد على التقلبات المفترضة التي يتسم بها الإنتاج الأجنبي.

نحن نتقبل عادة تحمل التكاليف المرتفعة غير المبررة المترتبة على الدفاع الوطني ضد أعداء مجهولين في كثير من الأحوال. ويزعم المدافعون عن حماية الزراعة، بدعوى توفير الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي، أن ما سبق يصدق أيضاً على الغذاء.

ظلت اليابان منذ أمد بعيد تشكل نموذجاً للحماية الزراعية في الدول الغنية، ويميل نظامها الانتخابي ميلاً شديداً إلى محاباة الناخبين الريفيين. والحقيقة أن المزارعين هناك يتسمون بالتنظيم السياسي الجيد، كما أن وزارة الزراعة والغابات ومصائد الأسماك اليابانية تدافع بشراسة عن مذهب الحماية. وتجد حجج الأمن الغذائي صدى كبيراً لدى المواطنين في اليابان، ويرجع ذلك إلى ذكرياتهم المرتبطة بالعجز الشديد في الإمدادات الغذائية أثناء الحرب العالمية الثانية وما تلاها.

ومن المفارقات العجيبة هنا أن اليابان تقدم للعالم الآن بذرة الأمل في تحرير الزراعة. ذلك أن الأعداد المتضائلة من الناخبين في اليابان أصبحت تميل الآن إلى تفضيل الأغذية المستوردة الأرخص ثمناً. وتشتد الأزمة الديموغرافية التي تعاني منها اليابان في المناطق الريفية بصورة خاصة، حيث يتجاوز متوسط عمر المزارعين سن التقاعد. ومؤخراً باعت إحدى القرى المغامرة نفسها بالكامل إلى شركة متخصصة في التخلص من النفايات، بعد أن لم يعد بوسعها العثور على أي عدد من الشباب المستعدين للعودة إلى الفردوس الريفي.

على الرغم من عقود من الدعم الحكومي الهائل، إلا أن القطاع الريفي في اليابان لا يستطيع حتى أن يطمح في إطعام سكانه الذين تتضاءل أعدادهم على نحو مستمر. ولقد توقف الآن الاكتفاء الذاتي من الحبوب الرئيسية عند نسبة 28%، ولا وجود لعلامات تشير إلى النمو. وتشكل الزراعة، وصيد الأسماك، وزراعة الغابات الآن ما يقل عن 2% من الاقتصاد الإجمالي وأقل من 4% من قوة العمل.

إن الشيخوخة السريعة وانحدار تعداد السكان في المناطق الريفية في اليابان من الأسباب التي تعمل على إحداث تحول جوهري في تعامل اليابان مع قضية الغذاء. ولقد قررت وزارة الزراعة والغابات ومصائد الأسماك هناك أن تتخلى عن الهدف العزيز المتمثل في الاكتفاء الذاتي من الغذاء. حتى أن الخطة الاستراتيجية الأخيرة تنادي بتحقيق نسبة 45% من الاكتفاء الذاتي بحلول العام 2015، مع التركيز على "ضمان استقرار الواردات من الغذاء" عن طريق تنويع المصادر واتفاقيات التجارة الحرة. كانت القوة التي تتمتع بها وزارة الزراعة والغابات ومصائد الأسماك لعقود من الزمان تعني أن شركاء اليابان التجاريين لا يستطيعون مجرد التفكير في الدخول مع اليابان في محادثات خاصة بالتجارة الحرة. أما الآن فقد قررت الحكومة اليابانية، التي تدعم الإصلاحيين في وزارة الزراعة والغابات ومصائد الأسماك، الاستعانة باتفاقيات ومفاوضات التجارة الحرة مع الجهات المصدرة المنافسة مثل تايلاند وأستراليا، سعياً إلى تحقيق هدف التماسك الزراعي.

وما يثير الحنق بالنسبة للمتمسكين بالتقاليد في وزارة الزراعة والغابات ومصائد الأسماك أن حجتهم فيمَ يتصل بالأمن الغذائي قد انقلبت رأساً على عقب. ففي محاولة لمعالجة عجز اليابان عن إطعام نفسها، يزعم المفاوضون التجاريون الآن أن اليابان تحتاج إلى الانفتاح أمام الواردات، وإلا فإنها تجازف بإغلاق أبواب أسواق الغذاء العالمية في وجهها بفعل عمالقة النمو السريع مثل الصين. ومما يعمق هذه المخاوف أن اتفاقيات التجارة الحرة التي تعقدها الصين في جنوب شرق آسيا تعطي الأولوية للمسائل الزراعية. وعلى الرغم من اهتزاز المنطق الذي تقوم عليه هذه الحجة إلا أنها تحرك المخاوف اليابانية العميقة بشأن نهضة الصين.

وتواجه الدول الغنية تحدياً ديموغرافياً مشابهاً، بينما تنتظر بقية دول العالم كي ترى كيف ستعيد استجابة هذه الدول صياغة الاقتصاد العالمي. والحقيقة أن اليابان، نظراً للانحدار الديموغرافي الذي تشهده الآن، تتقدم الركب، إلا أن دعاة الحماية الريفية التقليديين، مثل فرنسا وكوريا الجنوبية لم يتخلفوا كثيراً عن اليابان. فقد انخفض عدد المزارعين في اليابان الآن حتى بلغ ما يقل عن نصف عدد مزارعيها منذ عشرين عاماً.

وهذه أنباء طيبة بالنسبة للمزارعين والمستهلكين في كل أنحاء العالم. ذلك أن الدول الغنية التي تعاني من الشيخوخة السكانية قد تتحول أخيراً إلى الترويج للتجارة الحرة في السلع الغذائية والتخلي عن معارضتها.

مالكولم كوك مدير برامج بمعهد لوي للسياسة الدولية في سيدني بأستراليا.

خاص بـ "الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق