ابحثوا دائما عن المحكمة الدولية

تم نشره في الجمعة 16 شباط / فبراير 2007. 02:00 صباحاً

كان نزول اللبنانيين بمئات الآلاف إلى ساحة الحرّية وسط بيروت إحياء للذكرى الثانية لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري أفضل ردّ على الذين ارتكبوا جريمة تفجير الباصين في منطقة المتن. أدرك اللبنانيون بحسّهم السياسي المرهف أنّ التفجيرين الإرهابيين اللذين استهدفا باصين صغيرين في منطقة المتن الشمالي اللبنانية يندرجان في سياق الضغوط الهادفة إلى منع البلد من التقاط أنفاسه.

قرّر اللبنانيون بكلّ بساطة متابعة المقاومة والاستمرار في الصمود. يفعلون ذلك، لأنّهم يدركون أن المطلوب متابعة الضغوط ذات الطابع الارهابي على بلدهم والذهاب بها إلى النهاية كي يستسلموا ويتوقفوا، بالتالي، عن أية مقاومة لعودة الوصاية السورية، وعليهم قبل أي شيء آخر نسيان المحكمة ذات الطابع الدولي التي ستنظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ولذلك، وقع الانفجاران اللذان اراد الطرف الذي يقف خلفهما قتل أكبر عدد من المدنيين في قلب المنطقة المسيحية عشية الذكرى الثانية لاستشهاد رفيق الحريري، وبعد أيام من موافقة الأمم المتّحدة على إقرار نظام المحكمة ذات الطابع الدولي.

جرت العادة أن تُرتكب جريمةٌ ما كلّما حصل تقدم على طريق تحوّل المحكمة إلى حقيقة. اغتيل الزميل جبران تويني في الثاني عشر من ديسمبر- كانون الأوّل من العام 2005 لدى بدء بحث مجلس الوزراء في نظام المحكمة الدولية. وفي الواحد والعشرين من نوفمبر- تشرين الثاني 2006، اغتيل النائب والوزير بيار أمين الجميّل في وضح النهار لدى اجتماع مجلس الوزراء للموافقة على المحكمة الدولية. وكان مفترضاً اغتيال شخصيةٍ ما بعد إقرار الأمم المتحدة لنظام المحكمة الأسبوع الماضي.

هذه المرّة شاء الساعون إلى إلغاء المحكمة الدولية الذهاب إلى نقطة أبعد في التصعيد. ربّما لم يجدوا سياسياً يقتلونه بسهولة، فأجّلوا فعلتهم لمرحلة لاحقة. لكن الثابت أنه لا بدّ من عمل ما يُقدم عليه المجرمون يصبّ في سياق ما هو متّبع منذ اغتيال رفيق الحريري بهدف التغطية على الجريمة. وهذا ما يفسّر إلى حدّ كبير اختيار هدف سهل من نوع قتل مدنيين عن طريق زرع عبوتين في باصين ينقلان ركّاباً من بلدة بتغرين مسقط رأس وزير الدفاع السيّد الياس المرّ إلى الساحل.

وبغض النظر عن نية التصعيد، يبدو اختيار المكان، أي منطقة المتن، ردّاً على موقف الياس المرّ من شحنة السلاح التي صادرها الجيش اللبناني قبل أيام في طريقها إلى بيروت وأعلنَ لاحقاً أنها صارت في الجنوب في عهدة الجيش اللبناني؟ ولكن، هل اختيار المتن ردّ أيضاً على الزيارة التي قام بها الرئيس أمين الجميّل لواشنطن ولقائه الرئيس بوش الابن وكبار المسؤولين الأميركيين ثم اجتماعه في نيويورك بالأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون؟

لقد عُومل أمين الجميّل في العاصمة الأميركية معاملة رئيس دولة، كذلك في نيويورك، فيما الأسرة الدولية لا تعترف بالرئيس الحالي أميل لحود، وهو من المتن مثله مثل أمين الجميّل، كونه حليفاً لسورية وكون ولايته مُمددة قسراً عبر ممارسة الإرهاب ليس إلاّ.

أكثر من ذلك، هل اختيار أرض المتن محاولة جديدة لخلق فتنة مسيحية- مسيحية بعد فشل المحاولات التي بذلت الشهر الماضي من أجل تحقيق هذا الهدف عندما فشل الإضراب الذي دعا إليه النائب ميشال عون حليف "حزب الله"، بعدما تبيّن أنّ "الجنرال" لا يستطيع السيطرة على الأرض في المناطق المسيحية. أكثر من ذلك، تبيّن أن هذه المناطق انتفضت ولم تعد لديها أي أوهام في ما يتعلّق بشخص لا علاقة له بالمصلحة اللبنانية.

من هذا المنطلق، يبدو منطقياً أن بين أهداف العمل الإرهابي إعادة نوع من الهيبة إلى"الجنرال" الذي بات في حاجة إلى من يرفع له معنوياته بإقناعه أنّ هناك من يدعمه من داخل المنطقة المسيحية بدليل أنّ هناك اليوم من يفجّر مثلما كان هناك من يستطيع اغتيال بيار أمين الجميّل في وضح النهار!

تجمّعت عوامل كثيرة من أجل أن يكون التصعيد في المتن حيث أحزاب تابعة للأجهزة السورية تستطيع التحرك بسهولة عن طريق عناصر من أبناء المنطقة أو المقيمين فيها. كان لا بدّ للنظام السوري من استخدام الأحزاب التابعة له في تلك المناطق المسيحية، في ضوء التعليمات الإيرانية بتفادي افتعال فتنة شيعية– سنّية من منطلق أن مثل هذه الفتنة لا تخدم استراتيجيتها، أقلّه في المرحلة الراهنة. ولهذا السبب وليس لغيره يمتنع "حزب الله" حالياً عن تكرار ما حصل في الخامس والعشرين من الشهر الماضي في حي طريق الجديدة في بيروت وفي الشوارع المحيطة بالجامعة العربية.

لكن يبقى العامل الأهم من المكان الذي هو المتن، ذلك المتمثّل بتوقيت العمل الإرهابي الذي جاء قبل أربع وعشرين ساعة من نزول اللبنانيين إلى وسط بيروت لإحياء ذكرى مرور عامين على اغتيال رفيق الحريري. كان منفّذو الجريمة يعتقدون أنّه لن يمرّ اسبوع إلاّ وقد نسي اللبنانيون الرجل الذي أعاد وضع بلدهم على خريطة المنطقة والعالم وأعاد لعاصمتهم بريقها كإحدى أجمل المدن على المتوسّط. مرت مائة وأربعة أسابيع وقضية رفيق حيّة اكثر من أي وقت، رفيق الحريري في ضمير كلّ لبناني شريف، أكان مسلماً أو مسيحياً، أكان سنّياً أو شيعياً، أو درزياً أو مارونياً أو أرثوذوكسياً أو بروتستانتياً...

بعد عامين على الجريمة، لا تزال قضية رفيق الحريري حيّة ولا تزال الشرعية اللبنانية ممثلة بالحكومة تلاحق القضية وتعمل من أجل أن تكون هناك مرجعية لبنانية للمحكمة ذات الطابع الدولي. أليس ذلك سبباً كافياً لزرع الموت والدمار في لبنان؟ أليس ذلك سبباً كافياً لقتل مزيد من اللبنانيين الأبرياء وذنبهم الوحيد أنهم من المتن وأن عليهم ركوب الباصات للانتقال إلى أعمالهم لأنّ ليس لديهم راتب يأتيهم من "حزب الله" المموّل من إيران؟

لا بأس من نقل التجربة العراقية إلى لبنان... ما دام هناك من يصرّ على المحكمة ذات الطابع الدولي ويدرك أنّها السبيل الوحيد المتوافر لوقف مسلسل العنف والقتل والدمار والظلم في لبنان!

ابحثوا دائماً عن المحكمة الدولية. كم عدد الذين سيذهبون ضحية المحكمة الدولية التي يسعى قتلة رفيق الحريري إلى عدم قيامها بأيّ ثمن، حتى لو كان الثمن فتنة شيعية– سنّية في لبنان.

كاتب لبناني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هاني عبدالحميد (بشار المعايطة)

    السبت 17 شباط / فبراير 2007.
    يا أخي احنا كمان درسنا بالجامعات البريطانية والأمريكية ولم نمر بما تدعيه. هناك جامعات مفتوحة ونظام تعليمي راق ولا اعتقد بأن كلامك صادر عن شخص عاش يوما واحدا في الجامعانت الريطانية والامريكية. وبالتالي معرفتك هي مؤدلجة ولا تعكس ما يحدث مع النحيات لك والتقدير
  • »هاني عبدالحميد (بشار المعايطة)

    الجمعة 16 شباط / فبراير 2007.
    اتابع كغيري المقالات وتعليقات القراء. للامانة أن الاستاذ خالد مصطفى قناة على حق. وأنت يأأخ هاني لا تتمتع اطلاقا بتسامح مع اراء ..وبخاصة وانت تدافع عن ايديولوجية أكل الدهر عليها وشرب. المطلوب يا اخ هاني القبول بالتعددية وحق الآخرين في الاختلاف والله يحمي اردننا من كل المتشددين!
  • »سلام على السيد خالد (هاني عبدالحميد)

    الجمعة 16 شباط / فبراير 2007.
    لم اكن أقصد التواصل بشكل شخصي في مثل هذه العجالة حيث انه لا توجد معرفة شخصية مسبقة فتجعل من الممكن ان تكون الامور التي نتفق عليها اكبر من نقاط الاختلاف فلقد امضيت اكثر من 10 سنوات في الجامعات الاميركية والانجليزبة حوالي نصفها في ساوثمبتون واعلم حقيقة ما يعانيه المغترب حتى لو كان من سلالة انشتاين واذا عدنا الى حقيقة الرد على مقالة الكاتب.. وانا أغار على بلدي ان يكون في موقع النشاز من مواقع الفكر العربي فنحن عرب مسلمون نعتز بمثلنا العربية وثقافتنا الاسلامية ولا نعتذر عن معتقداتنا ونشكر للاخوة في الغد اعطاءنا حرية الرد رغم اختلافنا الشديد معهم في كثير من الاحيان ومفاجأتنا بالنشر عندما لا نتوقعه وبروح رياضية فليس في الامر شيء شخصي وكما سبق ان قلت اننا في الاردن اشد الناس تسامحا لبني البشر عموما والعرب خصوصا وأربأ بنفسي أن ازيد الى طينكم بلة في الغربة فلا تسيئوا الينا ..بعرضكم بضاعتكم.. امام القراء فنحن ببساطة نخالفكم الرأي بشكل حضاري وديموقراطي وسنظل نخالفكم الرأي حتى تقوم الساعة ويقضي الله بيننا فيما كنا فيه مختلفون.
  • »الى كل المعقدين بعقدة المخابرات، نحن المغتربون أكثر اضطلاعا وأكثر حرية (خالد مصطفى قناه .)

    الجمعة 16 شباط / فبراير 2007.
    الى السيد هاني عبد الحميد، هذا ليس دفاعا عن كاتب المقال .. فلا أشك بمقدرته على الرد على تجنياتك، ولكن الاهانه التي سمحت لنفسك بتوجيهها لكتاب المهجر ككل ( وأنا منهم طبعا) بأننا نتلقى المعلومات من دوائر المخابرات الغربيه، فهذا تجني واهانه لا أسمح لك بها لأنك على ما أجزم بحاجه لمليون سنه ضوئيه لتصل لمرتبة المغتربين في المهجر المتحررين من أمراض الطائفيه والقطريه وعقدة الأناـ أتمنى لك الحصول على فيزا للزياره لتتمكن من الاضطلاع بنفسك على درجة الانتماء الوطنيه والغيره على مصلحة الوطن بشكل سيذهلك أكثر من ما تتوقع، فأرجوك أن تعد للعشره وتراجع ما تكتبه ..قبل أن تضغط على زر الارسال.. والسلام على من اتبع الهدى.
  • »لبناني يقتل لبناني لمصلحة الغريب، ألله أكبر. (خالد مصطفى قناه)

    الجمعة 16 شباط / فبراير 2007.
    أستاذ خيرالله، لم أكن أتصور أن حزب الله وقيادته قد قبلوا بالانزلاق لمستنقع الخيانه الوطنيه وشرعوا بقتل الزعامات اللبنانيه لتجنب ولاعاقة التحقيق باغتيال الحريري ورجالات السياسه اللبنانيين المعارضين للهيمنه السوريه على استقلال لبنان، ولم أكن أتصور أن الجنرال عون الذي واجه حرب اباده مع القوات السوريه وخرج من بيروت بحمايه دوليه وضمانه فرنسيه يتحالف اليوم مع أعداء الأمس، ويسهم في تخريب ما تبقى من لبنان لدعم الرئيس لحود الذي فرض فرضا على اللبنانيون بقوة الاحتلال والهيمنه السوريه، ولا أستطيع أن أتصور أن قيادة حزب الله التي حازت على تقدير وتأييد العرب والمسلمين بعد المواجهة الباسله للعدو الصهيوني أن يضحوا بهذه الشعبيه والمحبه التي اكتسبوها للأداء المميز في مواجهتهم الأخيره للعدو ويصبحوا أداة طيعه لتنفيذ أجندة الغرباء في دمشق وطهران وعلى حساب المصلحه الوطنيه في لبنان، وما لنا سوى أن نكرر دعوة المقهورين ونقول ( اللهم أقنا شر أصدقائنا ، فأما أعدائنا فاننا كفيلين بهم ) ودمتم.
  • »تحية الى لبنان العروبة (هاني عبدالحميد)

    الجمعة 16 شباط / فبراير 2007.
    يتوهم بعض كتاب الغربة انهم يعيشون واقعنا العربي بتفاصيله كما نعرفه ويقعون ضحية المعلومات المفبركة التي توفرها لهم دوائر المخابرات الاجنبية الحاقدة والمعادية لكل ما هو عربي او مسلم او يمت بصلة اليهما ولدقة طرحهم القصصي الافتراضي لمقتل الحريري انت تستطيع ان تحور القصة دون عناء حسب اهوائك الشخصية ومقدرتك على التخيل وسعة ذمتك وعدم اتباعك الا الظن دون حاجة الى دليل قاطع فمثلا ان كنت تكره اسرائيل اكثر تستطيع استبدال كلمة سوريا بها وان كنت تحب نصرالله اكثر تستطيع استبدال الكلمة بخيرالله حسب طبيعة اهوائك واحقادك الشخصية واستنادا الى مقولة منطقية لا يختلف عليهااثنان مثل هل يمكن لعتاة الاجرام في المخابرات الاسرائيلية وغيرها من ذوات الوجود المتاصل في العاصمة اللبنانية ان تكون بعيدة كل هذا البعد عن هذه الاحداث الكبيرة التي هزت اركان لبنان الشقيق ولو كان هذا صحيحا فانه دليل على عدم قدرة وفاعلية هذه الاجهزة وهو افتراض غير صحيح ولو عدناالى اعادة قراءة الرواية حسب المصطلحات البديلة لوجدناها تتمتع بنفس المصداقية نظرا لكونها على رأي هيكل كلام جرائد والتحية للشرفاء الاباة والعونيين من عروبيي لبنان.