حماس تريد السلطة وليس الدولة

تم نشره في الأحد 4 شباط / فبراير 2007. 02:00 صباحاً

 لن تقود الاشتباكات التي تشهدها الأراضي الفلسطينية، خصوصاً قطاع غزة، سوى إلى مزيد من التدهور على كلّ الصعد، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. المخيف أن الاشتباكات بين الأمن الفلسطيني ومقاتلي فتح من جهة، وميليشيا حماس من جهة أخرى تعبر عن حال من الأفلاس لا تفسير لها سوى رفض التعامل مع الواقع، عن طريق حكومة تمتلك برنامجاً سياسياً واضحاً يؤكد الرغبة في تحقيق السلام على أساس مبادئ الشرعية الدولية والقرارات العربية، وما التزمته منظمة التحرير الفلسطينية. وفي غياب أي قدرة، من أي نوع كان، لدى حماس على اتخاذ موقف حاسم ونهائي من قرارت الشرعية الدولية، ومن الالتزامات التي أخذتها منظمة التحرير على عاتقها، ستستمر عملية الهروب إلى أمام، والتي تؤكد رغبة الحركة، التي شكلت حكومة فلسطينية قبل سنة من الآن، في إبقاء الشعب الفلسطيني أسير التجاذبات الإقليمية وضحيّة لها.

يحصل ذلك عن طريق اللجوء إلى المناورات التي لم تعد تنطلي على أحد، والتي تشكّل الاشتباكات مع فتح والأجهزة الأمنية الشرعية تعبيراً عنها. بين المناورات المكشوفة أيضاً العملية الانتحارية التي استهدفت منتجع إيلات الإسرائيلي أخيراً، وأدّت الى مقتل ثلاثة إسرائيليين تحت شعار برّاق هو استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية.

كان ملفتاً بعد تلك العملية التي لا يمكن ان تخدم القضية الفلسطينية في شيء، صدور بيان يوحي بأنّ فتح مشاركة فيها، أي أن نصف الانتحاري الذي نفّذها من فتح، ونصفه الآخر من حماس! إلى أن تبيّن أن الشاب المغرّر به لا علاقة له بفتح أو حماس، وأنّه مرتبط بـ"الجهاد الإسلامي"، وهي حركة تابعة مباشرة، حتى أكثر من حماس، للمحور الإيراني- السوري. بل هي ذراعه في الأراضي الفلسطينية، بدليل استمرارها، على الرغم من الهدنة التي أعلنتها حماس، في إطلاق الصواريخ المضحكة-المبكية من قطاع غزّة في اتجاه الأراضي الاسرائيلية، لتأكيد أن إسرائيل التي تمارس الاحتلال هي الضحية، في حين أنّها دولة إرهابية.

لا يحصل شيء في الضفّة الغربية أو قطاع غزة، أو داخل "الخط الأخضر"، أي أراضي  1948، صدفة. تبدو كلّ عملية انتحارية مرتبطة بأجندة سياسية في غاية الوضوح، هدفها إجهاض أي محاولة تستهدف إعادة الحياة إلى العملية السلمية.

هناك بكل بساطة حلف غير معلن بين المتطرّفين العرب وغير العرب من جهة، والمتطرفين في إسرائيل من جهة أخرى. هذا الحلف يعمل بطريقة عجيبة غريبة بمنتهى التنسيق بين أعضائه من دون حاجة إلى التشاور في ما بينهم. فما إن يتبين أن هناك إشارات إلى احتمال تحقيق تقدّم في مجال البحث عن تسوية، حتى يحصل شيء ما! هناك خيط غير رفيع يربط بين كلّ العمليات الإرهابية التي وقعت منذ توقيع اتفاق أوسلو في العام 1993. ما لا بدّ من تذكّره باستمرار أن العملية الأولى الهادفة إلى إحباط التسوية لم تكن فلسطينية، بل نفّذها إرهابي إسرائيلي هو باروم غولدشتاين، في الخامس والعشرين من شباط من العام 1994. قتل غولدشتاين وقتذاك تسعة وعشرين مدنياً، وأصاب نحو مائة وخمسين آخرين بجروح داخل الحرم الإبراهيمي في الخليل، بعدما فتح النار على المصلّين بشكل عشوائي.

هذه المرة أيضاً، كانت عملية مدروسة في إيلات. كذلك كان تعمّد لتدمير كلّ ما له علاقة بالسلطة الوطنية الفلسطينية، خصوصاً المؤسسات الأمنية. الهدف واضح، إنّه يتلخّص بالإيحاء بأن فتح منقسمة على نفسها، عبر توريطها بطريقة ما بالعملية الانتحارية، وإظهار أن هناك جناحاً فتحاوياً ينسّق مع حماس في المسائل المتعلقة بعمليات من هذا النوع. كان ذلك أحد الأهداف المتعددة للعملية التي تعود أهمّيتها إلى التوقيت الذي حصلت فيه.

وفي سياق العملية، كان مطلوباً الإساءة إلى الأردن. ولذلك تعمّد الذين وراء العملية الإشارة إلى أن الانتحاري دخل إيلات من الأراضي الأردنية. وهذا يشير إلى وجود نية للانتقام من بلد لعب دورا في العمل من أجل الوحدة الوطنية الفلسطينية، وفي رأب الصدع بين فتح وحماس. حاول الأردن ذلك حماية لمصلحة الفلسطينيين، ومصلحته الذاتية في المدى البعيد، وهما مصلحة واحدة. وتبيّن لاحقاً أن ربط العملية بالأردن وبالتسلل من الأردن كذب بكذب ليس ألاّ.

ما قد  يساعد في فهم ما حصل، أن عملية أيلات، السخيفة والخطيرة في آن، نُفّذت فيما كانت الاشتباكات مستمرة بين فتح وحماس في غزة، وفيما كانت عمليات خطف متبادلة بين الجانبين. لم تتوقف العمليات على الرغم من التوصل إلى اتفاق لوقف النار لم يصمد طويلاً. سقط الاتفاق عندما اكتشفت حماس أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية التابعة للرئاسة بدأت تتلقى أسلحة ودعماً دولياً، ويبدو أنّها قرت حسم الوضع في غزّة قبل فوات الأوان، وقبل أن تفقد المبادرة في القطاع، على غرار ما حصل في الضفة الغربية.

لا يمكن لأي عربي صادق الوقوف في وجه أي محاولة لوقف التصعيد بين فتح وحماس. ولكن لا يمكن، في الوقت ذاته، تجاوز الحقيقة والقول إن العملية الانتحارية في إيلات تستهدف وقف المواجهة بين فتح وحماس، بمقدار ما أنّ هدفها الحقيقي التعمية على الواقع وتغطيته.

هناك حالياً فرصة أمام الفلسطينيين. هناك رغبة دولية في إقامة دولة فلسطينية. هناك ضياع في إسرائيل. هناك شعور بأن لا بدّ من إيجاد حلّ مع الفلسطينيين. وفي حال كان على المرء أن يكون أكثر صراحة، لا مفرّ أمامه من الاعتراف بأنّ العالم يريد إقامة دولة فلسطينية، وأن الإسرائيليين على استعداد حتى للبحث في موضوع مستقبل القدس. هل يستغلّ الفلسطينيون هذه الفرصة، أم تضيع عليهم كما ضاعت فرص كثيرة في الماضي؟ الأرجح أن الفرصة الجديدة ستضيع في غياب حكومة تمتلك برنامجاً سياسياً ذي علاقة بما تطلبه الأسرة الدولية. ستضيع الفرصة، نظراً إلى أن حماس لا تعرف ما الذي تريده، وربّما لأنها تعرف جيّداً ما الذي تريده: تريد السلطة ولا تريد الدولة، تريد إبقاء الشعب الفلسطيني وقوداً في صراعات ذات طابع إقليمي لا علاقة له بها.

تشجع حماس، بكل بساطة، على عمليات مثل تلك التي وقعت في إيلات. ولهذا السبب، لم تصدر عن الحركة إدانة للعملية. إنها مع كلّ ما يمكن أن يعرقل التسوية. بالنسبة إلى حماس السلطة أهم بكثير من الدولة. رهانها على الوقت، لكن هل يعمل الوقت لمصلحة القضية الفلسطينية؟ الجواب أن الوقت يعمل ضدّ القضية الفلسطينية. يعمل ضدّ الشعب الفلسطيني الذي لم يدخل يوماً التسوية في ظروف كان وضعه فيها أفضل مما كان عليه في السابق. من يريد أن يتعلّم من تجارب التاريخ، عليه أن يتذكّر أن الوضع الفلسطيني في حال من التدهور المستمر منذ صدور قرار التقسيم في العام 1948. وسياسة الرفض وعدم القدرة على التعاطي مع المعطيات الإقليمية والدولية عادت بالكوارث على الشعب الفلسطيني. يكفي للتأكد من ذلك التفكير ملياً في الأحداث التي توالت منذ فشل قمة كامب ديفيد صيف العام 2000 بين الرئيس كلينتون والراحل ياسر عرفات وإيهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتذاك.

ليس بسياسة الهرب من الواقع، وليس بمهاجمة الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وليس بعملية مثل عملية إيلات، وليس بالإصرار على إزالة وجود فتح من قطاع غزّة، تُبنى الدولة الفلسطينية. ما يحصل حالياً جريمة غير مبررة في حقّ الشعب الفلسطيني.

الأكيد أن الانصياع للمحور الإيراني-السوري لا يبرر الفظاعات التي تحصل، ولا يبررها خصوصاً جوع حماس للسلطة ولا شيء غير السلطة، حتى لو قامت على بيع الشعب الفلسطيني مزيداً من الأوهام... بما في ذلك أن التوازنات في المنطقة ستتغيّر غداً لمصلحة المحور الإيراني-السوري، وأن صواريخ "القسّام" ستمكّن القوّات الفلسطينية من محاصرة تل أبيب.

إنها أوهام بأوهام، تبددها حقيقة وحيدة هي أن الحصار على الشعب الفلسطيني مستمر، وأن المجتمع الفلسطيني مهدد ما دام كلّ من له علاقة بالحضارة والعلم في هذا المجتمع يسعى إلى مغادرة أرضه إلى أي مكان في العالم يقبل استقباله. حماس تريد السلطة ولا تريد الدولة، فأين مشكلة إسرائيل في ذلك؟

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق