إحصاء الخسائر البشرية في العراق

تم نشره في السبت 3 شباط / فبراير 2007. 02:00 صباحاً

في أوقات الحروب، يكون من الصعب، في كل الأحوال تقريباً، الحصول على الأرقام الدقيقة الخاصة بأعداد الوفيات بين المدنيين. وباستثناءات قليلة، سنجد أن خبراء دراسة السكان والأمراض الوبائية عجزوا عن توظيف خبراتهم للخروج بتقديرات دقيقة جديرة بالثقة لمعدلات الوفيات والمرض بين السكان المدنيين. وفي بعض الأحيان، يكون الافتقار إلى الحرية المهنية سبباً في منع هؤلاء الذين ربما كانوا الأكثر خبرة بمثل هذه البيانات -على سبيل المثال، المحللون الذين يعتمدون في كسب رزقهم على الحكومات المتورطة في صراعات- من استخدام خبراتهم ومعارفهم في أغراض قد يترتب عليها أضرار سياسية لتلك الحكومات.

ولا يخلو الأمر من تحديات أخرى أيضاً. ذلك أن عزل الآثار المترتبة عن الصراعات عن تلك التأثيرات الناجمة عن عوامل أخرى(عوامل اقتصادية أو عقوبات) قد يكون مستحيلاً. فضلاً عن ذلك، فإن البيانات السكانية عالية الدقة المطلوبة للتوصل إلى تقديرات جديرة بالثقة قد لا تكون متاحة، بسبب "طبيعتها الحساسة"، أو لأنها لم تُجمع مطلقاً (كما هي الحال في الدول النامية أحياناً)، أو لأن تحركات اللاجئين جعلت هذه البيانات قديمة. ونتيجة لهذا، فإن درجة عدم اليقين في مثل هذه التقديرات قد تكون مرتفعة إلى حد غير مقبول، الأمر الذي يجعلها غير ذات قيمة حقيقية.

لنتأمل معاً الأساليب المختلفة التي استخدمت لدراسة الحرب العراقية. فإحصاء عدد الوفيات في العراق يهدف إلى تسجيل الوفيات الناجمة عن أعمال العنف فقط أثناء الحرب الدائرة الآن، وذلك عن طريق إنشاء مجموعة بيانات استناداً إلى تقارير أجهزة الإعلام. وإذا لم تحدث حالات إحصاء مزدوج، وإذا ما كانت الأحداث التي اشتملت عليها البيانات قد سُجِّلت على النحو الصحيح، فإن المجموع في هذه الحالة يمثل العدد الأدنى، لأن التقارير الإعلامية قد لا تكون شاملة.

وهناك أسلوب آخر يقوم على تقدير التغيير الإجمالي في الوفيات الناجمة عن الحرب

(بما في ذلك الوفيات الراجعة إلى التأثيرات المباشرة وغير المباشرة للحرب)، عن طريق حساب التغير في معدلات الوفاة مقارنة بفترة ما قبل الحرب. وهذا يتطلب وجود البيانات التي يمكن على أساسها احتساب الارتفاع الحادث في معدلات الوفاة. وتُستقى هذه البيانات، عادة، عن طريق إجراء دراسة مسح للأسر باستخدام عينة عشوائية من السكان. وفي هذه الدراسة، يطلب القائمون على إجراء المقابلات من رب كل أسرة، عادة، أن يخبرهم عن عدد أفراد الأسرة، وبياناتهم الديموغرافية قبل الحرب، وما إذا كان أي فرد من أفراد الأسرة قد توفي بين فترة ما قبل الحرب ووقت إجراء دراسة المسح، وتاريخ وفاة أي فرد من أفراد الأسرة.

وإذا ما تم إجراء دراسة المسح هذه على النحو اللائق، يصبح من الممكن تقدير عدد الوفيات الإضافية أثناء الحرب، مع قدر من التشكك في الأرقام الإحصائية. لكن حين تجرى دراسة المسح أثناء الحرب، لا يمكن إغفال عنصر المجازفة. فإلى جانب المخاطر التي يتعرض لها القائمون على إجراء المقابلات وجمع مثل هذه البيانات أثناء الصراع، هناك مسألة القواعد التي يقوم عليها اختيار الأسر في العينة، والافتقار إلى البيانات السكانية الجديرة بالثقة التي يمكن مضاهاتها بمعدلات الوفاة المتغيرة، والأرقام المغلوطة أو المضللة التي يقدمها المشاركون.

استخدم أسلوب المسح مرتين بواسطة مجموعة من الباحثين تنتمي إلى جامعة جون هوبكنز، والتي نشرت النتائج التي خرجت بها هذه المجموعة في المجلة الطبية "لانست"

(The Lancet ). وقد حظيت تقديرات هذه المجموعة بالثناء، إلا أنها أيضاً كانت محل تساؤل، بسبب إساءة تفسيرها للأرقام التي خرجت بها.

على سبيل المثال، في ملخص لدراسة قامت بها في العام 2004، كتبت المجموعة: "وفقاً للافتراضات المتشددة، نرى أن ما يقرب من مائة ألف وفاة إضافية، أو ما يزيد على ذلك، قد حدثت منذ غزو العراق في العام 2003". إلا أن الدراسة الأولى خرجت بأرقام غير دقيقة على الإطلاق فيما يتصل بأعداد الوفيات التي أساء القائمون على الدراسة تفسيرها. فقد كان من الواجب عليهم أن يقولوا: "نستطيع أن نقول بدرجة من اليقين تبلغ 95% إن الوفيات التي حدثت في العراق أثناء هذه الفترة تتراوح ما بين ثمانية آلاف إلى 194 ألفاً".

وكررت نفس المجموعة الدراسة في العام 2006، لكن بالاستعانة بعينة ذات حجم أكبر. ومرة أخرى عمد الباحثون إلى جعل المسؤولين عن إجراء المقابلات يديرون ما يشبه دراسة مسح نموذجية على عينة عشوائية من الأسر العراقية. وفي نهاية المقالة التي نشرتها مجلة "لانست"، يناقش الباحثون قضايا ربما تكون ناشئة عن عينة لم تف في حقيقة الأمر بالحد "العشوائي".

كما اشتملت المحاولة الثانية، أيضاً، على مشاكل في التفسير. فقد استخدم القائمون على الدراسة معدلات وفاة إجمالية(CDR’s )، تعكس عدد الوفيات عن كل ألف نسمة، في تفسير ارتفاع معدلات الوفاة. إلا أن دارسي الخواص السكانية نادراً ما يستخدمون معدلات وفاة إجمالية، بل يستخدمون بدلاً من ذلك معدلات الوفاة النوعية، من حيث الفئة العمرية والجنس، والتي يتم تلخيصها عادة باعتبارها "متوسط العمر المتوقع". وطبقاً لتقرير المجموعة، فقد ارتفع معدل الوفاة الإجمالي من 5.5 بين كل ألف نسمة في العام 2002 إلى 13.3 بين كل ألف نسمة في فترة ما بعد الغزو(من آذار 2003 إلى آذار 2006).

ولكي نضع أرقام ما قبل الغزو في المنظور السليم، علينا أن نرجع إلى الأرقام التي خرج بها قسم السكان التابع للأمم المتحدة، والذي يعتبر بصورة عامة على قدر كبير من الكفاءة. فالأمم المتحدة تقدر معدلات الوفاة الإجمالية في فترة ما قبل الغزو في العراق بنحو 10 أفراد بين كل ألف نسمة، وليس خمسة أفراد بين كل ألف كما ذكر القائمون على الدراستين. ولمقارنة هذه الأرقام على المستوى الدولي، فقد كانت معدلات الوفاة الإجمالية في إيران، طبقاً لتقارير الأمم المتحدة، 5.3 بين كل ألف نسمة في الفترة من العام 2000 إلى العام 2005. وطبقاً لتصورات أغلب المراقبين، فإن الموقف في العراق قبل الحرب كان أسوأ من الموقف في إيران بصورة ملحوظة.

وعلى هذا، فإن معدلات الوفاة الإجمالية التي خرجت بها الدراستان اللتان نشرتا في مجلة "لانست" عن فترة ما قبل الحرب في العراق تبدو منخفضة أكثر مما ينبغي. وقد لا تكون هذه المعدلات خاطئة، إلا أن القائمين على الدراستين كان عليهم أن يقدموا تفسيراً معقولاً للتفاوت الكبير بين الأرقام التي خرجوا بها والأرقام التي قدمها قسم السكان التابع للأمم المتحدة.

وإذا ما كانت معدلات الوفاة قبل الحرب منخفضة أكثر مما ينبغي، و/أو إذا ما كانت التقديرات الخاصة بالتعداد السكاني الإجمالي أعلى مما ينبغي -بسبب تجاهلها للأعداد الكبيرة من النازحين على سبيل المثال- فإن هذا يعني أن التقديرات الناتجة لأعداد "الوفيات الإضافية" في العراق مبالغ فيها إلى حد كبير.

الأهم من ذلك أن نعرف الغرض الذي تخدمه مثل هذه الأرقام. فمما لا شك فيه أن مثل هذه الأرقام تلعب دوراً كبيراً، بعد انقشاع الغبار، في تقويم تكاليف الحرب وفوائدها(إن كانت لها أي فوائد). لكن في الوقت الحالي، هل تفيد هذه الأرقام حقاً في توجيه المناقشات الدائرة بشأن الحرب في العراق؟ وهل تزودنا هذه الأرقام حقاً بقدر أكبر من المعلومات مقارنة بما يقدمه لنا إحصاء عدد الوفيات الناجمة عن أعمال العنف في العراق؟ وهل لدينا السياق الملائم الذي من شأنه أن يساعدنا في تفسير مثل هذه الأرقام؟ لقد كانت الحرب في العراق دموية على نحو استثنائي، وفي اللحظة الحالية هذا هو كل ما نستطيع أن نخرج به من الإحصائيات على وجه اليقين.

بِث أوزبورن دابونتي كبيرة اختصاصيي البحث بمعهد الدراسات الاجتماعية والسياسات بجامعة ييل.

خاص بـ "الغد"، بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق