هكذا مرت ذكراه!

تم نشره في الجمعة 26 كانون الثاني / يناير 2007. 03:00 صباحاً

قبل بضعة أيام، وحين كنت أتابع إحدى المحطات الفضائية من تلك التي لها جمهور عريض في منطقتنا العربية، صدمني الشريط الإخباري وهو يحمل خبراً عن "الخليج الفارسي". والغريب أن المحطة تستقوي بإشارتها عن "الخليج الفارسي" بتصريح لكونداليزا رايس، لكن التعبير لم يكن بين علامتي تنصيص، ما يعني بحسب أبجديات التحرير الإخباري، أن التعبير للمحطة وأصحابها، وليس للسيدة كوندا فحسب.

وفي نفس اليوم، كانت المحطة إياها تغطي مشهداً كبيراً لاعتصام في إحدى العواصم القريبة، وقد حمل بعض المعتصمين صورة لعبدالناصر إلى جانب صور "زعماء" محليين.

نعم، يا لها من مفارقة: صورة عبدالناصر الذي لم يكن يرى الجغرافيا إلا عربية، بما فيها الخلجان التي تحيط بالوطن الكبير، جنباً إلى جنب مع الدعوة لا إلى تغيير الجغرافيا، بل إلى شطب الهوية! وها نحن نبلع الطعم، ونمرر الأجندات غير العربية ونحن ندري أو لا ندري، سيان.

مرت ذكرى ميلاد عبدالناصر في منتصف الشهر الحالي، ولا أعرف هل هو تقصير مني أم أنها حقيقة الحالة الإعلامية نفسها (التي لم تلتفت للذكرى) هي التي جعلتني لا أصادف إشارة واحدة إلى المناسبة التي تذكّر بما يعنيه صاحبها.

المناسبة تعني ببساطة التمسك بالهوية القومية فوق كل دعوة أو انتماء، مهما تغلف بالشعارات الأكبر والأوسع. لم ينادِ عبدالناصر(ولا نزعم أنه الأول أو الوحيد في ذلك) بقومية عرقية؛ لم يتحدث عن العرب بوصفهم عرقاً، بل بوصفهم أمة. لكن الآخرين وأتباعهم مازالوا يغالطون، فيخلطون بين مفهوم الأمة ومفهوم العصبية، في الوقت نفسه يصرون على أن الخليج فارسي وليس عربياً.

وتذكّر المناسبة، ببساطة، أن الرجل إنحاز للفقراء والضعفاء. يقولون إنه بطش بكثيرين، حسناً، لكن بطشه اقتصر على المستغلين والمستقوين على بني جلدتهم بما آل إليهم نتيجة خللٍ تاريخي، بل إن استقواءهم ظل –إلى جانب هذا- بالغزاة والطامعين، سواء أكانوا جيرانا أو ممن هم وراء البحار، بمن فيهم على الجانب الآخر من الخلجان في أيامنا.

ورث عبدالناصر عن أسلافه من الحكام الحفاء، وحين مات مهزوماً –بالغزاة- كانت ظاهرة الحفاء التي استمرت آلاف السنين قد زالت، أو شرفت على الزوال.

ومن المظالم التاريخية أن ينسى المعنيون أن الجيش الذي حقق لمصر أعظم انتصاراتها في العصر الحديث كان من بناء الرجل، وأنه لأول مرة في التاريخ العربي تكون النسبة الغالبة من "الجنود" في جيش المليون الذي عبر القناة من خريجي الجامعات. ولعل مستوى الجنود هذا كان السبب الرئيس وراء نجاح العبور، إضافة إلى التدريب والتسليح، واللذين هما أيضا ثمرة خيارات استراتيجية ثاقبة درج عليها الرجل، من دون أن نغفل دور الإنسان وإصراره على غسل عار الهزيمة، وللرجل دور (ولا أقول: فضل، فليس هناك من يتفضل على الشعوب) وأي دور في هذا العنصر. لكن البعض اختزل النصر ومقوماته واستعداداته بـ "القرار"، وهو قرار صاحبه الحقيقي عبدالناصر بطبيعة الحال، وإن كان الموت الزنيم قد نسبه إلى سلفه.

لقد آمن الرجل بأمته، وجعل هدفه الأول صون كرامتها، وعدم التفريط بحقوقها مهما كان الثمن... الاقتصاد ومستوى حياة الناس؟

حسناً، حين مات الرجل كانت ديون البلد دون البليون دولار، وكانت الديون لجهات زودته بالسلاح الذي تم به العبور. والأغلب أن هذا الدين قد سدد بمنتجات المصانع التي شادتها حقبته، ومازال بعضها إلى اليوم شاهداً على ضخامة التجربة وإنجازها الفريد.

الديمقراطية؟ حين فكر بتطبيقها تكالبت عليه الجهات الثلاث تريد أن تمسحه وتجربته عن الوجود: أبطال حادث المنشية؛ ويرى كثيرون أن هذا الحادث قد أضر بفكرة الديمقراطية التي كان ينوي الرجل إعلان برنامج متقدم حيالها ليلة الحادث. ثم استمرت المعركة مع الجهة التي دبرت الحادث، ولا شك أنها استنزفت الكثير من طاقات الأمة كلها، ولعلها نالت من مفاهيم الرجل حول الديمقراطية. إنها وجهة نظر على الأقل.

الجهة الثانية: المضارون من إجراءاته من الإقطاعيين وأصحاب رأس المال المتوحش (حينذاك)؛ هل كان هؤلاء سيقبلون ببساطة أن تنتزع "حقوقهم" التي ورثوها عن أجدادهم، حاشية الوالي الذي كان يَبرُّ هذه الحاشية بما شاء من أطيان ومقدرات وبشر؟

أم إنها الجهة الثالثة، تلك التي كانت ستدع عبدالناصر وشأنه في تحقيق الديمقراطية؟ أعني "مالكي" قناة السويس من إنجليز وفرنسيين وحلفائهم.

لقد حفظ عبدالناصر للأغلبية الساحقة من شعبه حقوقهم "الديمقراطية" حين جسّد آمالهم وتكلم باسمهم، ونطق بآمالهم، ومات بأوجاعهم. وقد وصف أحد المثقفين اليساريين تجربته مع حارس السجن أيام عبدالناصر فقال: إن السجان كان يهينه وهو يؤمن بأنه خصم شخصي له، أي للحارس، في حين أن الحارس كان في تجربة سجن تالية لهذا المثقف يتعاطف معه على حساب تعليمات السلطة.

صحيح أن الزمن الآن اختلف، وأن الظروف تغيرت، وأن عهد العمالقة المعبرين عن اللحظة التاريخية لشعوبهم قد ولّى، لكن الصحيح كذلك أن الديمقراطية ليست شكلاً من دون محتوى، فهل هي حكومة ديمقراطية، مثلاً، تلك التي تحتاج إلى جيوش بعشرات الألوف، وربما بمئاتها لحمايتها من شعبها؟! أم أنها الديمقراطيات الطائفية التي تجذر الانقسامات وتفرق بين المواطن والمواطن، لا لشيء سوى لاختلاف المذهب؟!

لقد كتب عن عبدالناصر ما يزيد على الألف والخمسمائة كتاب بكل لغات العالم. ومن يكتب عن شخصية، لا بد أنه يرى فيها جانباً يجذبه، بطولياً على الأغلب... إنه بطل لألف وخمسمائة رواية "واقعية"، وهذا أمر نادر بين البشر. بطل ملحمي لم يَجُدْ به الخيال، بل أنبتته أرض مصر الأشد خصوبة على وجه البسيطة، وأول سمات البطولة وشروطها: السعي إلى الانتصار، والمفارقة أن نصره الحربي الأخير جاء بعد وفاته بأكثر من ثلاثة أعوام. أما انتصاره الخالد أبد الدهر للمحرومين، فقد عبر عنه هوغو شافيز بأجلى صورة حين قالها بلغة شعبه: أنا ناصري.

استاذ النقد الأدبي بجامعة اليرموك

التعليق