السياسة الخارجية غيبوبة أم سبات؟

تم نشره في الأربعاء 24 كانون الثاني / يناير 2007. 03:00 صباحاً

أي بؤس هذا الذي وصلت له سياستنا الخارجية، وهي المعوَّل عليها تقديم المصالح الوطنية العليا في توازن العلاقة مع الاخرين في ظل المعمعان المتقلب في منطقتنا المبتلاة بكل اصناف البلى. غياب للدور الاردني في كل من فلسطين والعراق ولبنان، وانحياز غير مبرر بموازين المصالح الأردنية إلى جانب أقطاب الصراع في هذه البلدان وصل إلى حد استعداء بعض هذه الأقطاب التي لا يمكن بحال إلغاؤها من المعادلات الداخلية في هذه الدول المتاخمة للحدود الأردنية والتي تؤثر مفاعيل أزماتها في المشهد الأردني تأثيرا بالغا، وكمون العلاقات الأردنية بمجمل الدول العربية والاسلامية، وتراجع الرعاية الدولية ومن ضمنها الاميركية للدور الأردني بالابقاء على العقبات المانعة لتقدم الأردن في شتى المجالات ومن بينها الاقتصادية.

الادارة الأميركية تتخبط في وحل العراق وتعجز عن الفعل في كل من فلسطين ولبنان وتتزايد نسب كراهيتها لدى الشعوب العربية والاسلامية الى مستويات تنذر(وهذا على الاقل) بتهديد نفوذها في هذه المنطقة، فإذا كان الامر على هذا النحو، فأي مصلحة في إدماج الأجندات الأردنية بالبرامج الاميركية؟

لقد كان المؤمل ان تتجاوز السياسة الخارجية التمحور والانحياز الفاقع الذي لا يدع مجالا للمناورة ولا يبقي خطوطا للمراجعة. لكن الملح فعلا هو البحث عن الدافع الحقيقي الذي يلقي بمصير بلدنا في هذا المنحدر الخطر؟!

ان الاستنكاف الحكومي عن اخذ العبر من دروس الفشل المتراكمة في سياستنا الخارجية لا يدلل الا على مقدار أزمة القرار السياسي الاردني، وإلا فما هو معنى أن يستمر الأردن في التناغم مع السياسة الاميركية في المنطقة دون أن يستطيع الحصول على ما يؤكد استقراره السياسي والاجتماعي والاقتصادي عوضا عن التهديدات التي باتت معلنة. ماذا يحصد الأردن من علاقاته المتميزة(قياسا بمصر) مع العدو الصهيوني في حين يعجز عن فك قيد الأسرى الأردنيين القابعين في سجونه بعد مضي كل تلك السنين العجاف على توقيع الاردن لاتفاقية التسوية معه؟!

حتى المساعدات الأميركية لا تمثل شيئا مذكورا قياسا بتلك المساعدات التي تتلقاها ربيبة اميركا في المنطقة!

هنالك تغيرات تستحق الملاحظة؛ فالدول بمجملها تضع مسافات فاصلة بين سياساتها وبين السياسة الاميركية في كل الملفات بما فيها الملف الايراني، غير اننا لا ندرك شبيهاً لهذا في سياستنا الخارجية. لقد غدت الاجابة على أي تساؤل يتعلق بمواقف سياستنا الخارجية من أي ملف مرتبطة بالموقف الأميركي، فلنسأل اذن ما هو موقف اميركا من حماس او حزب الله او سورية او ايران او الصومال او... الخ.

الاردن بلد بحاجة الى الاستقرار اذن فهو معني بعدم استعداء الاقربين وتوفير مظلة لكل الاطياف السياسية في محيطه، لا سيما ان المعارك المندلعة في بؤر التوتر حوله لم تحسم بعد، بل ربما لن تحسم قريبا، وتدهور الاحوال في محيط الاردن يدفع بدول اكثر من الاردن عدة وعتادا الى اتخاذ موقف انسحابي كأميركا او أقرب إلى الحياد كأوروبا وباقي دول العالم.

انه التناقض بعينه! فالأردن كان مظلة للجميع وحافظ على توازن علاقاته بالجميع في أحلك الظروف فما باله اليوم يفشل في جمع الفرقاء الفلسطينيين او القيام بدور للتخفيف من حالة الاحتقان بينهم او بين الفرقاء العراقيين او اللبنانيين، ولماذا تفشل عمان في رعاية الادوار القومية والاسلامية؟ ومن يتحمل مسؤولية ذلك؟ بخاصة وأنّ الموقف لا يأتي في سياق الصراع على الأدوار وإنما التكامل او التنافس الإيجابي لتحقيق المصالح المعتبرة للأمة.

هل مسؤولونا بحاجة الى تذكيرهم بالخطر الصهيوني غربا الذي لا يزال بعض اطرافه تتهددنا بمخططات الترحيل، ام بالخطر الناجم عن الفلتان الامني شرقا؟ 

اننا بحاجة إلى سياسة خارجية مدروسة تأخذ بالاعتبار الحالة المتفردة للأردن تاريخيا وجغرافيا وديموغرافيا وتؤمن له ديمومة الاستقرار، انها سياسة تغليب الحياد الايجابي على الانحياز المفرط، اللجوء إلى حضن الامة وبناء منارة للديمقراطية وأنموذج لحقوق الإنسان.

انظرو ايها السادة حتى المالكي غدا يرتب أولوياته بما يضع مسافات فاصلة بينها وبين الاولويات الأميركية واصبح يدرك ضعف الإدارة الأميركية وانقشاع قدرتها التي لا تقهر، الا يفهم البعض انه ليس من المستغرب ان ينقلب السحر على الساحر في منطقتنا الرمادية.

ما هو مؤكد أن المواقف الأردنية بحاجة إلى مراجعة، ولعل مراجعة كهذه تفضي إلى توافق رسمي شعبي يتجاوز ما عليه الحال اليوم.

أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي

التعليق