عرب في حكومة إسرائيل!

تم نشره في الأحد 14 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 صباحاً

 

لربما صدق وزير الحرب الإسرائيلي، عمير بيرتس، بصفته رئيسا لحزب "العمل"، حين أعلن قبل أيام أن قراره بتعيين عضو الكنيست "العربي" عن الحزب وزيرا في حكومة إيهود أولمرت، هو "حدث تاريخي".

"فتاريخية" هذا التعيين، لا تكمن في أن عربيا سيصبح وزيرا في الحكومة الإسرائيلية، كما يريد بيرتس ان يصوّر الأمر، وإنما لأن سرعة كشف النوايا الخبيثة من وراء هذا التعيين سجلت رقما قياسيا.

وللتوضيح نستذكر أن عمير بيرتس قرر تعيين النائب العربي عن حزب "العمل" الصهيوني، غالب مجادلة، وزيرا عن الحزب في الحكومة التي تضم سبعة وزراء عن هذا الحزب، وسيحل مجادلة محلّ وزير العلوم والثقافة والرياضة، أوفير بينيس، الذي استقال من الحكومة قبل ثلاثة أشهر، احتجاجا على انضمام الوزير العنصري المعادي للعرب، أفيغدور ليبرمان.

وفقط هذه الحقيقة كافية لنقف بذهول أمام بعضٍ من "أبناء جلدتنا"، الذين تغلبت مصالحهم الشخصية الضيقة على ابسط القيم، فذاك وزير يهودي شاب، لم يستطع تحمل الجلوس أمام عنصري إلى هذا الحد، وفضل الاستغناء عن حقيبته الوزارية لأسباب مبدئية، وفي المقابل فإن مجادلة ذاته، الذي عارض هو الآخر بقاء حزبه في الحكومة بعد ضم ليبرمان، وحتى أنه أيد خطوة الوزير بينيس، يوافق اليوم على الجلوس مكانه.

أما دافع بيرتس فقد كان واضحا للعيان، فهو أراد إنقاذ نفسه من انهياره في استطلاعات الرأي داخل حزبه الذي يضم أكثر من 80 ألف عضو، في إطار المنافسة على رئاسة الحزب، إذ ستجري الانتخابات في شهر أيار (مايو) القادم، وتشير كل التوقعات إلى أن بيرتس لن يبقى في منصبه.

و"تنبّه" وزير الحرب بيرتس إلى أن 10% من أعضاء الحزب هم من العرب، وأراد ضمان هذه الأصوات لنفسه، بعد أن فشل في ضمان قطاعات أخرى، فاشترى تأييد مجادلة العضو البارز في هذا الحزب الصهيوني منذ سنين طويلة، من خلال إسناد هذه الحقيبة له، مستفيدا "بيرتس" من الحق الذي يمنحه اياه دستور الحزب بتعيين وزراء الحزب في أي حكومة يشارك فيها "العمل".

وأمام هذه الحقيقة، لم تبخل الساحة السياسية في إطلاق التسميات على هذا التعيين، من "مناورة قذرة" إلى "رائحة كريهة جدا تنبعث من هذه الخطوة"، وحتى أنصار بيرتس نفسه لم يفلحوا في الدفاع عن هذا التعيين واظهاره بصيغة أخرى.

بكلمات أخرى فإن كل حديث إسرائيلي عن اول وزير "عربي" في حكومة إسرائيل هو عار عن الصحة، ومغلوط من الدرجة الأولى، لا بل فيه الكثير من العنصرية التفريقية، وهذا لعدة أسباب، أبرزها ان مجادلة هو الثاني، فقد سبقه في العام 2001، الوزير السابق صالح طريف، الضابط احتياط في سلاح الجو الإسرائيلي، وكان أيضا وزيرا عن حزب "العمل" في حكومة أريئيل شارون الأولى، واستقال على خلفية فساد.

إلا أن إسرائيل الرسمية تحاول التفريق بين العرب، وتحاول فرض مزاعم وكأن أبناء الطائفة العربية الدرزية ليسوا عربا وأن هم قومية مستقلة، وهناك من يساندها في هذا، فيكفي ان مجادلة اعتبر نفسه هو أيضا أنه "الوزير المسلم الأول" في حكومة إسرائيل.

أما السبب الثاني، ولا يقل أهمية عن سابقه، هو أن لا طريف ولا مجادلة يمثلان فلسطينيي 48 في مصالحهم الوطنية واليومية، وهما عنصران في أول حزب حاكم، سيطر على إسرائيل على مدى العقود الثلاثة الأولى لها، ورسّخ سياسة التمييز العنصري في أبشع صورها وكان يعمل على تعميقها طوال الوقت، ولهذا فهما مثلا ويمثلان مصالح حزبهما ولا عدا ذلك.

وأكثر من هذا، فلشديد السخرية، فإن إعلان بيرتس المفضوح يأتي بعد أسبوع من إقرار الكنيست ميزانية إسرائيل للعام الجديد 2007، التي تعمق سياسة التمييز العنصري ضد العرب، وبتأييد حزب "العمل" بكل أعضائه، بمن فيهم مجادلة نفسه.

كما أن هذا التعيين جاء في نفس اليوم الذي وافقت فيه الحكومة ذاتها، التي سيصبح مجادلة وزيرا فيها، على واحد من أكثر القوانين عنصرية، وهو يقضي بسحب الجنسية من أي شخص يدخل دولة تعتبرها إسرائيل معادية لها، وهذا موجه بالأساس للفلسطينيين في إسرائيل، الذين من بينهم من زار دولا مثل سورية ولبنان.

ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل هذا الموضوع جاء مناسبة لنشر بعض المشاهد المقززة التي نراها بين الحين والآخر، فالمعركة على رئاسة حزب "العمل" بدأت في الأسبوعين الأخيرين تنتقل إلى الشارع الفلسطيني داخل إسرائيل، وعلى الرغم من محدوديتها، إلا أن مجرد الإعلان عن أن وزير الحرب الحالي عمير بيرتس، ورئيس أركان الحرب الأسبق، ورئيس الحكومة الأسبق إيهود براك، يتسابقان على أصوات العرب في الحزب، هي حقيقة ليست مخجلة بقدر ما هي مؤلمة.

فذاك خرج لتوه من مذابح ارتكبها في لبنان، ولا يزال يذبح في فلسطين، وآخر اختتم ولايته مختصرا مدتها، بعد أن شن واحدة من أشرس الحروب على الشعب الفلسطيني في مطلع خريف العام 2000.

ولكن من جهة أخرى فبالإمكان القول ان الصورة ليست سوداوية إلى هذا الحد، فقوة الأحزاب الصهيونية سجلت على مدى السنين تراجعا مستمرا في الشارع الفلسطيني، فبعد ان كانت تسيطر على أكثرية أصواته مع قيام إسرائيل بفعل سياسة التخويف والترهيب، إلا أنه مع تبدل أجيال معايشة النكبة، بدأت تندحر هذه الأحزاب وكانت الضربة القاصمة الأولى لها في العام 1977، حين هوت إلى ما دون نسبة50%، واليوم لا تحصل على أكثر من 18% من الأصوات، وحتى هذه النسبة إشكالية، ومتفاوتة بين القطاعات المختلفة، ولكن هذا موضوع قائم بحد ذاته، قد نأتي عليه لاحقا.

إن ما يتوجب توضيحه حاليا، هو أن "العربي" في حكومة إسرائيل، هو عنصر جاء من قبل حزبه ليخدم أهداف حزبه، ونقول هذا لكي لا يغرق أحد ولو لجزء من الثانية في أي وهمٍ، وكأن شيئا ما جيد في حكومة لم تكتف بترسيخ عنصريتها، بل ضمت إليها أشرس العنصريين، أفيغدور ليبرمان، وزيرا، ليثبت الحقيقة المعروفة.

إن الفلسطينيين في إسرائيل يناضلون، منذ أكثر من 58 عاما من أجل حقوقهم المدنية اليومية، بنفس القدر من أجل حقوق شعبهم الوطنية، وهذا جزء من معركة البقاء على الأرض المستمرة منذ ظهور إسرائيل، وهم يشاركون في الحلبة السياسية وأيضا في البرلمان الإسرائيلي، ولكن شتان بين المشاركة في البرلمان من خلال كتل وطنية، وبين مشاركة في الحكومة.

في ظروف الحرب والاحتلال، لا يمكن لفلسطيني صادق مع قضايا شعبه ان يكون وزيرا في حكومة، يفرض عليه القانون والمنطق ان يدعم سياستها كاملا، فهذه حكومة، وكما يؤكد كتاب ميزانيتها الجديد الذي يحدد سياستها المستقبلية، وجهتها لمزيد من الحروب والاستيطان والقمع والتمييز.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق