التحرير المالي والوعود الزائفة

تم نشره في السبت 13 كانون الثاني / يناير 2007. 03:00 صباحاً

 

ثمة عيب ما يشوب عالم المال والتجارة. والمشكلة لا تكمن في حدوث أزمة مالية أخرى في إحدى الأسواق الناشئة، واحتمال انتقال العدوى إلى الدول المجاورة، إذ تمكنت حتى أكثر الدول عرضة للخطر من التعامل بارتياح نسبي مع الدورة الأخيرة من الصدمات المالية التي شهدها العالم خلال شهري أيار وحزيران 2006؛ إنما تتلخص المشكلة هذه المرة في أن أوقات الهدوء النسبي قد ساعدت في الكشف عن أن الفوائد التي كان من المتوقع أن تترتب على العولمة المالية لم تتحقق في أي مكان من العالم!

العولمة المالية تشكل ظاهرة حديثة، نستطيع تتبع بداياتها إلى فترة السبعينيات من القرن العشرين، حين أدت دولارات النفط إلى تغذية تدفقات هائلة من رؤوس الأموال إلى الدول النامية. لكن أكثر الأسواق الناشئة لم تبادر إلى التخلي عن الحذر وإزالة القيود والضوابط المفروضة على الاستثمارات الخاصة والتدفقات المصرفية إلا بحلول العام 1990 تقريباً. ومنذ ذلك الوقت، تضخمت تدفقات رأس المال إلى الحد الذي أدى إلى تضاؤل حجم التجارة في السلع والخدمات. وعلى هذا فقد شهد العالم فترة من العولمة المالية الحقيقية دامت ما يقرب من خمسة عشر عاماً.

كان تحرير تدفقات رؤوس الأموال قائماً على منطق حتمي، أو هكذا بدا الأمر في مستهله. فقد زعم مؤيدو التحرير أن الدول النامية لديها العديد من الفرص الاستثمارية، وأن ما ينقصها هو الادخار. وعلى هذا، فهم يرون أن تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية من شأنها أن تسمح لهذه الدول باستخدام مدخرات الدول الغنية في زيادة معدلات استثماراتها وتحفيز النمو الاقتصادي. فضلاً عن ذلك، فقد كان من المفترض أن تسمح العولمة المالية للدول الفقيرة بتلطيف دورات الازدهار والركود المرتبطة بالصدمات الناجمة عن الشروط التجارية المؤقتة، ونوبات سوء الطالع. وأخيراً، زعم مؤيدو تحرير تدفقات رؤوس الأموال أن التعرض لنظام الأسواق المالية من شأنه أن يجعل من الصعب على الحكومات المبذرة أن تسيء التصرف.

إلا أن الأمور لم تسر وفقاً للخطة المرسومة. فقد أظهرت الدراسات التي أجراها صندوق النقد الدولي، علاوة على الأبحاث التي قام بها عدد من الدارسين المستقلين، الكثير من الألغاز المحيرة والتناقضات. فعلى سبيل المثال، كان من الصعب إقامة الدليل على أن الدول التي حررت تدفقات رؤوس الأموال إليها شهدت نمواً اقتصادياً مستداماً نتيجة لذلك التحرير، بل إن العديد من الأسواق الناشئة شهدت انحداراً ملموساً في معدلات الاستثمار! كما لم يسفر تحرير تدفقات رؤوس الأموال عن استقرار الاستهلاك في تلك الأسواق!

وأكثر ما يثير الاهتمام والفضول هنا هو أن أفضل الدول أداءً خلال الأعوام الأخيرة هي تلك الأقل اعتماداً على التمويل الأجنبي؛ فقد حققت الصين، النجم الخارق في مجال النمو على مستوى العالم، فائضاً ضخماً في حسابها الجاري، الأمر الذي يعني أنها أصبحت تشكل مصدراً صافياً لإقراض بقية دول العالم. ومن بين الدول الأخرى التي حققت معدلات نمو مرتفعة، فيتنام ذات الحساب الجاري المتوازن، والهند التي تعاني من عجز بسيط. وفي أميركا اللاتينية، نجحت الأرجنتين والبرازيل بسهولة في تحقيق فائض خارجي في الآونة الأخيرة. والحقيقة أن القدرة التي اكتسبتها هاتان الدولتان حديثاً على التكيف مع صدمات سوق رأس المال ترجع في أكثرها إلى تحول الدولتين إلى مقرضتين صافيتين لبقية دول العالم، بعد أن كانتا مقترضتين صافيتين لعدة أعوام!

لكي نفهم ماذا يجري من حولنا نحن في حاجة إلى تفسير مختلف للأسباب التي تبقي معدلات الاستثمار والنمو منخفضة في أكثر الدول الفقيرة. فبينما يقول التفسير المعتاد -الذي أعطى الدافع إلى تحرير تدفقات رأس المال- إن الدول النامية مقيدة فيما يتصل بالادخار، فإن حقيقة تحرك رأس المال "إلى الخارج" بدلاً من "إلى الداخل" في أكثر الدول النامية الناجحة تشير إلى أن القيد يكمن في مكان آخر؛ فالقيد الحقيقي يكمن على الأرجح في جانب الاستثمار.

يبدو أن المشكلة الرئيسة تتلخص في ندرة المشاريع الخاصة الحرة، والعزوف عن الاستثمار في المصانع والمعدات -وهو ما أطلق عليه كينز "تدني الروح الحيوانية"- وبصورة خاصة سعياً إلى رفع مجمل المنتجات التي يمكن تداولها في الأسواق العالمية. وخلف نقطة الضعف هذه تقبع العديد من التشوهات المؤسسية والسوقية المرتبطة بالأنشطة الصناعية، وأنشطة القطاع الحديث الأخرى في البيئات ذات الدخول المتدنية.

حين تعاني الدول من انخفاض الطلب على الاستثمار، فإن تحرير تدفقات رؤوس الأموال لا يشكل حلاً طيباً؛ ذلك أن التجارة في مثل هذه الدول لا تحتاج بالضرورة إلى المزيد من التمويل، بل إلى توقع أصحاب العمل الحصول على قدر أكبر من الأرباح. وقد تؤدي تدفقات رؤوس الأموال هنا إلى تعقيد الأمور، إذ إنها تميل إلى رفع قيمة العملة المحلية، وجعل الناتج في أنشطة التصدير أقل ربحاً، وبالتالي إضعاف الحوافز الدافعة إلى الاستثمار.

وعلى هذا، فإن النمط السائد في اقتصاد الأسواق الناشئة التي بادرت إلى تحرير تدفقات رؤوس الأموال، كان يتسم بتدني معدلات الاستثمار في القطاعات الحديثة من الاقتصاد، وتباطؤ النمو الاقتصادي (بمجرد أن يبدأ ازدهار الاستهلاك المرتبط بتدفقات رؤوس الأموال في لعب الدور المنتظر منه). وعلى النقيض من هذا، فقد تمكنت الدول التي تجنبت اندفاع رؤوس الأموال إلى الداخل، مثل الصين والهند، من الحفاظ على القدرة التنافسية العالية لعملاتها المحلية، فنجحت بهذا في إبقاء الربحية والاستثمار عند مستويات مرتفعة.

لقد بات الدرس واضحاً بالنسبة إلى الدول التي لم تقفز بعد إلى العولمة المالية: الحذر ثم الحذر. فلا شيء أكثر قدرة على إحباط النمو من العملة غير القادرة على التنافس، وليس هناك سبيل أسرع إلى رفع قيمة العملة من اندفاع رؤوس الأموال إلى الداخل.

والحقيقة أن الخيار بات أكثر صعوبة وتعقيداً بالنسبة إلى الدول التي سلكت مسار العولمة المالية بالفعل. ذلك أن التعامل مع أسعار الصرف يكون أكثر صعوبة حين يصبح رأس المال حراً في الدخول والخروج وفقاً لهواه. إلا أن العلاج ليس مستحيلاً، مادام صناع القرار يدركون الدور الحرج الذي يلعبه سعر الصرف، وضرورة إخضاع تدفقات رأس المال إلى المتطلبات التي تفرضها القدرة التنافسية.

نظراً إلى كل الجهود التي بذلتها "الأسواق الناشئة" على مستوى العالم سعياً إلى الوقاية من التقلبات المالية، فإن من حقها أن تسأل: "أين نستطيع أن نجد الجانب المجزي في مسألة تحرير رأس المال؟". وهو السؤال الذي ينبغي علينا جميعاً أن نتدبره، ونبحث له عن إجابة شافية.

داني رودريك أستاذ الاقتصاد السياسي بكلية جون ف. كينيدي للعلوم السياسية بجامعة هارفارد.

خاص بـ"الغد"، بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق