المعالجة تبدأ بالأسباب وليس بالأعراض

تم نشره في السبت 13 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 صباحاً

 

ثمة اوجه شبه قريبة بين ما يجري في العراق الآن وبين ما جرب -وفشل- في لبنان وفلسطين من قبل؛ فعندما تعجز قوى الاحتلال عن السيطرة على الأمن، فإنها تلجأ لقوات محلية، غايتها تخفيف العبء عن جيوش الاحتلال ذاتها.

في لبنان، أنشأت قوى الاحتلال الاسرائيلي ميليشيا محلية تابعة لها وممولة من قبلها، ظلت قائمة منذ غزو اسرائيل للبنان في العام 1982، وحتى انهارت فور انسحاب اسرائيل من الشريط الحدودي في صيف العام 2000. ولم تنجح تلك الميليشيات في حفظ الأمن، ولا في توفير اي حماية كافية لحدود اسرائيل الشمالية مع لبنان، ولا في منع هجمات المقاومة على القوات الاسرائيلية في الخطوط الخلفية. هذا بالاضافة الى ان النظرة إلى تلك الميليشيات كانت على انها قوة عميلة ومأجورة. ولم تكن نظرة الاسرائيليين افضل عندما انتفت الحاجة إلى وجود تلك المليشيات، فانهارت وتشتتت في كل اتجاه ولم تجد من يؤويها.

وبعد أوسلو، وفي الحقيقة نتيجة اتفاقات أوسلو في العام 1993، سعت اسرائيل إلى إعادة التجربة بأن سمحت بإنشاء قوات الأمن الفلسطينية خاضعة السلطة الوطنية الفلسطينية. كانت غاية إسرائيل من السماح بهذه القوات هي حفظ الأمن الاسرائيلي بالدرجة الأولى، وتخفيف العبء عن قوات الاحتلال الاسرائيلية التي كانت قد عجزت عن اخماد الانتفاضة الاولى التي انطلقت في العام 1987 ولم تتوقف الا باتفاقات أوسلو. ذلك ان تلك الاتفاقات لم تنه الاحتلال الا بالاسم، وبما أنّ الاحتلال ظل قائماً بالفعل، وبما أنّ اسرائيل أرادت أن تبعد جيشها الذي أنهكته الحرب ضد الانتفاضة على مدى ستة أعوام في حينه، فقد عمدت إلى تسلم مهمة مواجهة أي "أعمال شغب" فلسطينية لجهاز أمن فلسطيني؛ أُنشئ بترتيباتها، وبتمويل دولي، وبتسليح متفق عليه، وبمهمات محددة ايضاً.

ولم تنجح هذه التجربة ايضاً. فاستمرار الاحتلال، واستمرار ممارساته، واستمرار الاستيطان وبناء الحقائق الاستعمارية على الأرض، وانحسار الآمال التي راحت في بداية أوسلو وتحولها الى سراب، كل هذا أدّى الى العودة إلى المقاومة والتململ والرفض. فوجدت قوى الأمن الفلسطينية نفسها أمام خيارين: إمّا أن تقمع المقاومة وتطارد كل من يدعو إلى ذلك، وإمّا أن تتحمل مسؤولية تعرض اسرائيل واحتلالها وأمنها للخطر، وتحاسب من قبل اسرائيل على ذلك.

لقد وضعت القيادة الفلسطينية، الرئيس الراحل ياسر عرفات، تحت ضغوط هائلة خلال تلك الفترة لوقف "الارهاب الفلسطيني" وملاحقة مرتكبيه. وحاولت تلك القيادة أن توازن بين التزامات أوسلو وبين ما لا يفقدها كل علاقة بشعبها واهلها؛ فأدانت واعتقلت وطاردت ولاحقت الكثيرين ممن طالبت بهم اسرائيل. لكن النتيجة كانت أنّ قيادة السلطة لم تُرض اسرائيل و"المجتمع الدولي" الذي أيّد مطالبها، وظلت هذه القيادة الى لحظة رحيل الرئيس عرفات متهمة برعاية "الارهاب" وتشجيعه، ومدانة بتقصيرها في ملاحقته وقمعه. وظلت اسرائيل تعلق على الاعتقالات التي قامت بها السلطة بأنها اشبه بسياسة الباب الدوار: تعتقل رجال المقاومة الفلسطينية من جهة، وتطلق سراحهم من الجهة الاخرى من الباب!

وفي الوقت نفسه، لم ترض تلك الاجراءات الفلسطينيين انفسهم الذين اتهموا احياناً سلطتهم بمسايرة العدو وتلبية اوامره، وحتى التواطؤ معه في ملاحقة واغتيال بعض رموز المقاومة.

ظلت المعضلة قائمة بعد رحيل عرفات وانتقال القيادة من بعده إلى محمود عباس، الذي واجه منذ البداية المطالب ذاتها: تفكيك البنية التحتية للمنظمات "الارهابية" (حماس والجهاد الاسلامي وغيرهما)، ونزع سلاح المقاومة، ومنع كل عمل من أعمال العنف -تحت اي مبرر- ضد الاحتلال. وبقي عباس يواجه ضغوطاً اسرائيلية ودولية هائلة منذ انتخابه كرئيس للسلطة لتحقيق هذه المطالب الى أن أفرزت الانتخابات الفلسطينية مطلع العام الفائت فوز حماس. فعندئذ لم يتغير مضمون الدعوة إلى نزع السلاح وتفكيك الارهاب، بل تغير الاسلوب؛ فالمطلوب الآن ترويض حماس او اسقاطها، للعودة بعد ذلك إلى مرحلة جمع السلاح والقضاء على كل امكانية للمقاومة.

وفي العراق تتكرر الحالة ذاتها. فبعد انهيار نظام الحكم السابق في ربيع العام 2003، وبعد حلّ الجيش العراقي، وبغض النظر عن التسمية، أكانت ارهاباً ام تمرداً ام شغباً ام تخريباً، وبغض النظر عمن كان وراءها، فالنتيجة ذاتها: فوضى أمنية، وعجز من قبل قوات الاحتلال والقوى والمساندة لها عن السيطرة على الوضع.

وظلت الامور في العراق تزداد سوءاً، وكلما مر الوقت ازداد الوضوح بعجز قوة الاحتلال عن مواجهة "التمرد". كما عمدت قوة الاحتلال إلى بناء قوات امنية عراقية جديدة وبديلة لتتولى مسألة الأمن، وكانت قد عجزت عن حفظه في ما يتعدى حدود المنطقة الخضراء في بغداد، كما هو عليه الحال في كابل.

لكن مئات الآلاف من القوات العراقية الجديدة لم تتمكن من القيام بالمهمة، ولم تُعف قوات الاحتلال من مسؤولياتها، ولا يزال الوضع الأمني في حالة تدهور وانهيار متسارع ومستمر.

الخطة الاميركية الجديدة التي أعلنها الرئيس بوش فجر الخميس الفائت تطالب حكومة نور المالكي بتحمل مسؤولياتها، والا فإنها "ستفقد تأييد الشعب الاميركي وتأييد الشعب العراقي". والمسؤوليات المطلوب من المالكي تحملها هي، باختصار، اعفاء قوات الاحتلال من الأعباء الامنية حتى لا يؤدي استمرار التدهور الى وصم الاحتلال بالهزيمة والعجز، وحتى تتمكن تلك القوات بالتالي من الانسحاب. لكن ذلك لا يتحقق إلاّ بنزع سلاح الميليشيات؛ وهذا غير ممكن في الظروف الراهنة؛ لأنّ أجهزة الأمن الرسمية مخترقة طائفياً، وتقوم احياناً بدور الميليشيات فيما يتعلق بالصراع الطائفي. وثانياً، لان اقدام حكومة المالكي، او اي حكومة عراقية غيرها، على مجابهة الميليشيات بالقوة لن يحقق اكثر من ادخال قوات الحكومة كطرف جديد في الحرب الأهلية الدائرة.

كما لم يتمكن الرئيس عرفات، ومن بعده الرئيس عباس، من حل المنظمات الفلسطينية المسلحة، وكما لم تتمكن الحكومة اللبنانية من نزع سلاح حزب الله، ولم تتمكن طبعاً من نزع سلاح جيش لبنان الجنوبي حتى انهياره بانتهاء الاحتلال، فإن المهمة الملقاة على عاتق الحكومة العراقية غير ممكنة التحقيق ايضاً.

هذه التشكيلات المسلحة، في اي من المواقع التي تشكو من التداعيات الامنية، هي نتائج وليست أسبابا؛ هي نتائج لعوامل خلل اساسية وعميقة تجدر معالجتها من جذورها، وليس فقط مواجهة أعراضها. فأسباب قيامها هي غياب مؤسسات الحكم الديمقراطي السليم، والاحتلال، والظلم، والتدخل الاجنبي لتكريس ذلك لا للحيلولة دون استمراره. والعبرة التي مازالت تستعصي على الفهم هي ان زوال الاسباب يؤدي تلقائياً الى زوال الاعراض والمضاعفات.

مندوب الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المصير المحتوم (هاني عبدالحميد)

    السبت 13 كانون الثاني / يناير 2007.
    ماذا تفعل قوات الاحتلال في العراق ومن دعاها الى هنالك وماذا حققت في اربع سنين عجاف غير القتل والتدمير وعظائم الامور كالجرائم التي يندى لها جبين الانسانية وماذا تنتظر غير الفشل والخيبة والهزيمة والمصير المحتوم الذي كفله تاريخ البشرية المقاوم للاحتلال والطغيان . اما مقولة دعم الشعب الاميركي لصنائع الاحتلال الاجنبي الذليلة في العراق الجريح فهي سخافة ما بعدها سخافة: فالشعب الاميركي بأغلبيته الساحقة لا يدعم المحتل نفسه وفاقد الشئ لا يعطيه فكيف يمكن اذن ان يؤمن الاحتلال التاييد الشعبي الذي فقده بامتياز لعملائه المأجورين. وما حصل في لبنان الشقيق من بطولات المقاومة الباسلة وتضحيات مجيدة أدت الى هروب المحتل الاجنبي الجبان المذل وما نتج عنه من مصير مخز محتوم لفئة مجرمة اجترأت المهانة وخرجت عن ارادة شعبها وامتهاالا دليل ساطع لما هو قادم من احداث مصيرية محتومة وجليلة في العراق المحتل... والعاقل من يتعظ بمصائب غيره ولا ينتظر الوقوع فيها ويختار الطريق الذي اختطه الشرفاء من الامة في سبيل تحقيق حرية الامة وكرامتها وازالة عار الاحتلال عنها...والرجوع عن الخطأ في الوقت المناسب فضيلة ... ولات ساعة مندم.