إبراهيم غرايبة

الأردنيون والامتحانات والتعليم

تم نشره في الجمعة 12 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 صباحاً

امتحانات المدارس والجامعات والثانوية العامة تنشئ في الأردن حالة من الطوارئ والاستنفار لا يقترب من مستواها وتكاليفها أية حالة أخرى، مليون وستمائة ألف طالب، ومائة ألف أستاذ، وأكثر من مليون من الآباء والأمهات، ومدرسي الخصوصي، وشبكة طويلة ومعقدة من الاتصالات والتراتيب والمتابعة والنسخ والتسلية والتوتر.

الأمر يبدو إيجابيا في بعض جوانبه، فهذا الاهتمام الكبير بالحياة التعليمية على المستوى المجتمعي والرسمي والفردي يفترض أن يشكل قاعدة أساسية للتنمية والتقدم، ولكنه أيضا اهتمام واستنفار في اتجاهات ومسارات تحتاج إلى مراجعة.

فهذه الجهود الرسمية والمجتمعية تبدو غير متفقه مع الوجهة المفترضة للتعليم، وهذا أمر محير يجب التوقف عنده كثيرا، لماذا لا تساعد المؤسسات التعليمية والمجتمعية والأسر برغم هذه الجهود والنفقات الهائلة على تشكيل مستوى مهنى وعملي وسلوكي وثقافي واجتماعي متقدم بعد هذه العقود الطويلة من العمل التعليمي المتواصل، ولماذا لم يؤد اقتباس النماذج المؤسسية والمناهج والأدوات التعليمية في تحقيق نفس المستوى من النجاح والتقدم الذي طبقت وصممت فيه هذه النماذج والمؤسسات؟

هل ثمة علاقة إيجابية بين هذه الجهود التعليمية وبين النتائج المتوقعة من اكتساب المعرفة والمساهمة في الترقي في المهن والسلوك والثقافة والجمال؟ وقد ينصرف الذهن فورا إلى قلة الموارد باعتبارها السبب الرئيسي وربما الوحيد لتدهور التعليم ومستواه، ولكن هناك عناصر أخرى تؤثر تأثيرا حيويا في تحديد نوعية التعليم، ومن أهمها سياسات التعليم، ووضع المعلمين، ومناهج التعليم وأساليبه، وقد أكدت الدراسات المتعلقة بنوعية التعليم على غلبة تدني التحصيل المعرفي، وضعف القدرات التحليلية والابتكارية، واستمرار التدهور فيها، والفارق بين سوق العمل وبين ناتج التعليم، واختلال هيكل الأجور بما في ذلك وهن العائد الاقتصادي والاجتماعي على التعليم، فليس ثمة فرق يذكر في التنافس والحصول على الحوافز والوظائف والمكافآت بين المؤهلين تأهيلا عاليا وتعبوا في إعداد أنفسهم وبين الآخرين الذين يحملون شهادات علمية بلا مؤهلات حقيقية وعملية، أو لا يواصلون تعليم أنفسهم ويطورون إمكانياتهم، وعدم قدرة التعليم على توفير متطلبات تنمية المجتمعات، وعزلته عن المعرفة والمعلومات والتقانة العالمية، والأكثر من ذلك خطورة لم ينشئ قيما سلوكية وثقافية وجمالية جديدة ومختلفة بدليل حالة العنف المجتمعي وعدم التسامح وانهيار مستوى التصميم والجمال والنظافة والسلامة العامة والراحة في البيوت والعمارة وتخطيط المدن والطرق والحدائق والمرافق العامة.

ومازالت الحوسبة والإنترنت زينة غير ضارة في العملية التعليمية أو نوعا من الترف والشكليات أكثر مما هي عملية مندمجة في التعليم والمناهج والأداء والتواصل المعرفي، وفي أحسن الأحوال فإنها عملية تعليمية مستقلة وليست مدخلا أساسيا ومصاحبا لكل المناهج والمواد والعمليات التعليمية والإدارية.

مازال استخدام الإنترنت في التعليم محدودا وضعيفا، وباستطاعة وزارة التربية والتعليم والجامعات أن تتيح كل المناهج والمهارات التعليمية والمعارف والمهارات على الشبكة وتبدأ بتطوير علاقة الطلاب والمجتمعات والأسر بها، وبإمكان كل مدرس وكل طالب أن ينشئ مدونته التي تتشكل حولها عمليات ومهارات من التواصل والتعليم والتطوير، وهذا التحدي ليس موضع مبالغة في أهميته أو رسوخه أمرا واقعا مهيمنا على الحياة والتعليم والإدارة، وبدون عملية مراجعة كبرى وشاملة تجرى في المجتمعات العربية لإحلال الحاسوب تطبيقيا -وليس شكليا- في التعليم، وتأهيل المجتمعات والمؤسسات التعليمية والعاملين والطلاب لإعادة صياغة التعليم والتأهيل والتدريب وفق مدخلات وفلسفات جديدة تأخذ بالاعتبار التحولات الجذرية التي تجريها الحوسبة والشبكية في العملية التعليمية، والتي تغير وتعيد ترتيب دور المؤسسات والأسر والمجتمعات والعاملين، ووسائل التعليم ومضمونها أيضا، فإن التعليم سيمضي إلى غير أهدافه المتوقعة، وسيقدم مخرجات غير التي نرغب فيها.

المعلوماتية والشبكية تفرض أيضا منظومة اجتماعية وثقافية وسياسية جديدة يجب أن تؤخذ بالاعتبار في السياسات التعليمية، فالتقنية لم تعد تطبيقا مجردا لاكتشاف علمي، لكنها متوالية اجتماعية ثقافية، تقتضي أيضا مضامين وسياسات تعليمية جديدة.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تعليم بلا تقدم (خالد الرشيد)

    الجمعة 12 كانون الثاني / يناير 2007.
    التقدم هو الوعي المسبق بالاهداف المراد تحقيقها والعمل على تحقيقها ولكن التعليم في بلادنا عملية مستقلة عن الاهداف المفترضة للتقدم فهي عملية تقدم مهارات عامة بعضها تساعد والكثير منها لا يضر ولا ينفع ولكن الاكثر سوءا ان كثيرا من اهداف التقدم غير مدرجة في العملية التعليمية.