الاحتواء وليس الاسترضاء

تم نشره في السبت 6 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 صباحاً

 

في هذه اللحظة، تنهمك أميركا، ومعها العالم، في التفكير فيما إذا كانت إدارة الرئيس بوش سوف تتبنى التوصيات التي خرجت بها مجموعة دراسة العراق فيما يتصل باستراتيجية الخروج من العراق. تلك هي المسألة الأكثر إلحاحاً اليوم، إلا أن قادة أميركا لا بد وأن يفكروا أيضاً في المستقبل.

إن أميركا تحتاج إلى استراتيجية صالحة لفترة ما بعد الاحتلال في التعامل مع العراق والشرق الأوسط ككل، وهي استراتيجية مبنية على استراتيجية أخرى، لا يتحقق الأمن القومي في القرن الواحد والعشرين إلا بها. وتتلخص هذه الاستراتيجية في الاحتواء.

أثناء التصعيد الذي سبق غزو العراق، أعلنت إدارة بوش عن رفضها للاحتواء، باعتباره وسيلة قديمة من بقايا الحرب الباردة، فتم سحب مفتشي الأسلحة، وفضلت أميركا اللجوء إلى شن حرب وقائية. وكانت أجهزة الإعلام تصور بوش آنذاك وكأنه بطل يواجه هتلرا جديدا، يتمتع بعزيمة تضاهي عزيمة تشرشل. كما كانت هذه الأجهزة تتهم المدافعين عن سياسة الاحتواء بمحاولة استرضاء العدو. لكننا اليوم صرنا نعلم تماما أن نظام الاحتواء كان ناجحاً، كما أن العراق تحت حكم صدّام حسين لم يكن في موقف يسمح لها بتهديد أي جهة، ناهيك عن الولايات المتحدة.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تُرْفَض فيها استراتيجية الاحتواء باعتبارها استرضاءً للعدو، وهي الاستراتيجية التي ابتكرها جورج كينان، مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأميركية أثناء ولاية الرئيس هاري ترومان، في استجابة للتهديد السوفييتي في أعقاب الحرب العالمية الثانية. فأثناء الحملة الانتخابية الرئاسية في العام 1952، عَمَد دوايت آيزنهاور، ووزير خارجيته فيما بعد جون فوستر دالاس، إلى الهجوم على سياسة الاحتواء بالسخرية والازدراء، ووجها الدعوة بدلاً من ذلك إلى "صد" السوفييت عن أوروبا الشرقية.

من حسن الحظ أن إدارة آيزنهاور تحولت بعد توليها للسلطة إلى تفضيل استراتيجية الاحتواء في أوروبا، والاستمرار في السياسة التي يرجع إليها الفضل إلى حد كبير في تحقيق النصر في الحرب الباردة. وكان إصرار الرئيس جون إف كينيدي -على الرغم من العديد من النصائح المخالفة- على انتهاج سياسة الاحتواء أثناء أزمة الصواريخ الكوبية، سبباً في إنقاذ العالم من حرب نووية. لقد كان ذلك التصرف بمثابة عزيمة محسوبة العواقب، وليس استرضاءً.

كان الهدف من سياسة الاحتواء يتلخص في منع السوفييت من التوسع، وتجنيب الولايات المتحدة، في ذات الوقت، تحمل التزامات عسكرية مرهقة ولا سبيل إلى تحملها. وطالما لم يكن الاتحاد السوفييتي يجهز لشن هجوم عسكري، فإن اعتماد استراتيجية الاحتواء، من خلال سياسة العصا والجزرة على الصعيد الاقتصادي، والمنافسة داخل الحركة الشيوعية العالمية، فضلاً عن الاستخبارات والعمل الديبلوماسي، وتعزيز قوة الأنظمة الرأسمالية الديمقراطية ونشاطها، كل ذلك كان من شأنه أن يضمن الأمن. لقد كان كينان على حق: فقد أدت مظاهر الخلل الوظيفي في النظام السوفييتي، وتوسعه المفرط على المستوى الدولي، إلى زواله في النهاية.

حين تخلت الولايات المتحدة عن استراتيجية الاحتواء تكبدت ثمناً باهظاً. فلقد عملت إدارة آيزنهاور على إسقاط الحكومة الإيرانية المنتخبة في العام 1953، بسبب اعتقاد الإدارة أن تلك الحكومة كانت مؤيدة للسوفييت أكثر مما ينبغي. وفي العام 1979 أطاحت الثورة الإيرانية بالشاه الذي زرعته الإدارة هناك، والذي كان يتمتع بقدر ضئيل من الشعبية. كما ارتكبت الولايات المتحدة أخطاءً مشابهة في غواتيمالا وبلدان أخرى في أميركا اللاتينية.

وكانت فيتنام بمثابة العاقبة ذات الثمن الأكثر فداحة لتخلي الولايات المتحدة عن إستراتيجية الاحتواء. وكما فسر كينان ذلك: "حين تخوض أميركا حرباً لسبب لا يشكل مصلحة حيوية واضحة، فإن الخصم -الذي تتعرض مصالحه الحيوية للخطر- سوف يقاتل لمدة طويلة بعد أن تكون الحرب قد فقدت الشعبية في الداخل إلى الحد الذي لا يسمح لها بالاستمرار". ولقد كرر بوش نفس الخطأ في العراق.

إن استراتيجية الاحتواء ليست من بقايا الحرب الباردة بأي حال من الأحوال. فلقد نجحت في مواجهة ليبيا، ودفعت بالرئيس معمر القذافي في أواخر التسعينيات من القرن الماضي إلى تسليم المتهمين في قضية لوكيربي لمحاكمتهم، ودفع التعويضات عن البريطانيين والفرنسيين الذين وقعوا ضحايا تلك العملية. أما المزاعم التي تقول إن الرئيس القذافي قد تخلى عن برنامجه النووي في استجابة لغزو العراق تحت قيادة الولايات المتحدة، فقد فندها فلينت ليفيريت، مدير شؤون الشرق الأوسط لدى مجلس الأمن القومي في الولايات المتحدة خلال الفترة 2002-2003. وطبقاً لتحليل ليفيريت، فقد كان قرار القذافي سابقاً لغزو العراق، وتم كمقايضة واضحة في سبيل إنهاء العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على ليبيا آنذاك.

إن تبني استراتيجية الاحتواء في التعامل مع ليبيا لم تكن استرضاءً، وكان من الواجب أن تتخذ هذه الاستراتيجية كنموذج للتعامل مع العراق، كما لا بد وأن تشكل الآن نموذجاً يتبع في التعامل مع إيران. إلا أن المدافعين عن النظير المعاصر لاستراتيجية "الصد" يؤيدون مهاجمة إيران لأنها تحاول إنتاج الأسلحة النووية. والحقيقة أن هذا المنطق لا يقل مجانبة للصواب عن المنطق الذي كان قد ينادي بمهاجمة الصين في خمسينيات القرن العشرين.

من بين أعظم إسهامات كينان قدرته على إدراك حقيقة مفادها أن الصراع فيما بين خصوم الولايات المتحدة لا بد وأن يخدم مصالحها، ولذلك رحب كينان بظهور تيتو في يوغوسلافيا، إذ كان هذا الأخير يشكل تحدياً داخلياً لهيمنة موسكو التي كان يأمل في أن تباريها قوى أخرى.

لقد تاه هذه الدرس بين دهاليز إدارة بوش، التي عملت منذ البداية على تغريب إيران وإبعادها في العام 2002، حين كان للمعتدلين اليد العليا هناك، وحين كانت تتعاون في أفغانستان، فأهدرت بذلك السياسة التي ظلت الولايات المتحدة تنتهجها لعقود من الزمان، بإصرارها على أن أي تسوية في الشرق الأوسط لا بد وأن تتقبل "الحقائق المتغيرة على أرض الواقع" في الضفة الغربية. كانت إدارة بوش تبدو كما لو أنها عازمة على حشد وتوحيد خصومها كافة في خندق واحد، ساعية بكل جهدها إلى تحويل جحيم "صدام الحضارات"، الذي صوره صامويل هنتنجتون، إلى نبوءة شخصية تتحقق بها الغايات كافة التي تسعى الإدارة إلى تحقيقها.

لقد أكد كينان على ضرورة سعي الولايات المتحدة إلى خلق عالم لا تتحقق فيه الهيمنة الكاملة لأي جهة، كما أكد أن الطريقة المثلى لنشر الديمقراطية تتلخص في البرهنة على تفوق الديمقراطية. أما فرض الديمقراطية على الناس بالقوة فهو في الحقيقة تدمير للذات. وكما أدى ذلك التوجه إلى الاندماج بين الشيوعية والنزعة القومية المناهضة لأميركا في جنوب شرق آسيا وفي أميركا اللاتينية، فإنه يعمل الآن على إنتاج تركيبة مشابهة مؤلفة من الإسلام المتطرف والنزعة القومية المناهضة لأميركا في الشرق الأوسط.

إن تقليص حجم وخطر الجماعات الإرهابية أمر ممكن إذا ما تم احتواء البلدان التي تمكّن تلك الجماعات. والعجيب أن المدافعين عن مذهب بوش يزعمون أن هذا الأمر مستحيل، مادامت هذه الجماعات تعمل من داخل دول عاجزة، غير قادرة على حماية حدودها. لكن إذا ما علمنا أن مذهب بوش كان سبباً مباشراً في تعقيد مشكلة الدول العاجزة، فمن البدهي أن ندرك أن هذه الحجة فارغة؛ فأياً كان عدد الدول العاجزة في العالم قبل غزو أميركا للعراق، فقد أضيف إلى هذا العدد دولة أخرى بعد الغزو.

إن تحديد موعد لخروج القوات الأميركية من العراق يشكل شرطاً مسبقاً للنجاح في بناء نظام احتواء في مواجهة الإرهاب المنطلق من الشرق الأوسط. ولا يوجد أي سبيل آخر لعكس التصور المنتشر على نطاق واسع، والذي يؤكد أن الولايات المتحدة لها طموحات استعمارية في المنطقة. وثمة خطوة أخرى أساسية، تتلخص في وضع هدف إيجاد حل للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي على رأس قائمة أولويات السياسة الخارجية الأميركية. ويتعين على أميركا في هذا السياق أن تبذل الجهود الممكنة كافة في سبيل التوصل إلى الحل القادر على اكتساب تأييد أغلب الشعوب التي تسكن المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط. هذه هي الوسيلة الأكثر ضماناً لحماية الديمقراطية وتعزيزها.

إيان شابيرو أستاذ العلوم السياسية بجامعة ييل، ومؤلف الكتاب الذي سيصدر قريباً تحت عنوان "الاحتواء: إعادة بناء استراتيجية في مواجهة الإرهاب العالمي".

خاص بـ "الغد"، بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق