هل هناك شريك سوري؟

تم نشره في السبت 30 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 صباحاً

 

انشغل الإعلام الإسرائيلي أخيرا بموضوع التفاوض مع سورية. وتبدو الصورة غير واضحة لدى كثير من الإسرائيليين، بالرغم من الموقف الرسمي السائد في إسرائيل، والذي لا يرى فائدة مرجوّة من التفاوض مع نظام الأسد "المعزول والضعيف والذي يرعى الإرهاب". وتساند الموقف الرسمي تحفظات الادارة الأميركية على التعامل مع سورية، بخاصة بعد صدور توصية تدعو إلى ذلك في تقرير بيكر-هاملتون، الذي يعد بمثابة إدانة لكل منهج إدارة بوش في الشرق الأوسط.

والحجة الرئيسة لعدم تبلور خيار سوري لدى حكومة أولمرت هي نفس الحجة لعدم التفاوض مع الفلسطينيين، بمعنى غياب الشريك. فالنظام السوري الذي يطلق التصريحات المتكررة بشأن رغبته في مفاوضات حقيقية من دون شروط، لا يمكن أن يكون شريكا في عملية السلام؛ وكأن هناك شريكا إسرائيليا متلهفا على التفاوض مع أي جهة عربية، لا سيما إذا ما اقتضى ذلك دفع استحقاقات السلام!

هنالك مدرستان في اسرائيل بخصوص سورية: الأولى تمثلها شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، والتي تعرف جيدا، على ما يبدو، الخسائر المتوقعة من جراء نشوب أي نزاع مسلح جديد، خصوصا بعد التطور الذي حصل على تكنولوجيا الصواريخ والاسلحة المضادة للدروع.

وترى "أمان" أن هناك تيارا مهما في سورية معنيا بشكل حقيقي بالتفاوض مع إسرائيل. وتعد هذه الشعبة الأكثر تأثيرا في العمل الاستخباراتي في إسرائيل، وهي تلتقط إشارات من سورية تعتبرها جدية.

أما المدرسة الأخرى فيمثلها الموساد الإسرائيلي برئاسة مئير داغان، الذي لا يعوّل كثيرا على الاشارات السورية، بل ويعتبرها خدعة سوريّة للتهرب من الضغط الدولي. ويريد داغان وضع شروط قبل اجراء التفاوض، مثل وقف دعم الارهاب، ووقف احتضان حماس، وقطع الصلة مع ايران لقاء موافقة إسرائيل على البدء بمفاوضات.

هذه الاختلافات في التقدير، وبالتالي في التوصيات، هي ليست نتاج معلومات استخبارية بقدر ما هي انعكاس لمواقف سياسية يتبناها الجهازان الاستخباريان. وهذه النتيجة التي توصل اليها عدد من المحللين الاسرائيليين، من امثال عاموس هرئيل.

وبصرف النظر عن تقديرات المدرستين المختلفتين، فإن الحقيقة تتمثل في ان حكومة أولمرت رهنت التقدم على كل المسارات بموافقة الولايات المتحدة، التي بدأت بالفعل تتعامل مع إسرائيل لا كحليف على قدم المساواة، بل كتابع. ولا يستطيع أولمرت اغضاب ادارة بوش التي لا تريد جلب سورية الى الحوار مع إسرائيل، بسبب الملف اللبناني والدور السوري في العراق.

وحتى لو كانت هنالك رغبة أميركية قوية في احياء المسار السوري، فإن حكومة أولمرت لا تضم تحالف سلام، بل حكومة هشة ورئيسا ضعيفا خسر الحرب مع حزب الله، ويتفاخر بأنه ليس للحكومة أجندة! وهدف اولمرت الأول والأخير هو البقاء السياسي، ما يعزز من قوة المتطرفين في حكومته امثال ليبرمان. وبالتالي، فالمشكلة الأساسية هي غياب الشريك الاسرائيلي للتجاوب ايجابيا مع مبادرات السلام العربية الحقيقية مثل، المبادرة العربية في بيروت.

هذا هو فصل القول. وما تصريح وزيرة الخارجية الاسرائيلية، تسيفي ليفني، الأخير بشأن سورية إلا دليل على عدم جدية اسرائيل؛ فهي تتساءل عما ستسفيده اسرائيل لقاء المفاوضات مع سورية، لأن اسرائيل لن تكتفي بإعادة الجولان من دون الحصول على مقابل؟

لكن لماذا لا تحاول اسرائيل البدء وجس النبض، وطرح كل طلباتها المنطقية وغير المنطقية على الطاولة؟!

تصرفات سورية ووقوفها بكل قوة في الخندق الايراني، وظهورها بمظهر التابع لايران، يضعف كثيرا من صدقية الطروحات السورية، الى درجة ان انظمة عربية تحذر بالسر إسرائيل من الحيل السورية.

فالخلافات العربية بلغت ذروتها عندما تتحول عاصمة عربية مهمة إلى تابع لايران صاحبة استراتيجية الهيمنة في المنطقة، والتي تسعى إلى الحصول على كل مقومات الدولة الاقليمية العظمى، مع تداعيات ذلك على الأمن العربي.

نحن لا نقول بأن تطرح سورية كل أوراقها جانبا، بل عليها العودة إلى الصف العربي، وبناء تحالف عربي من أجل تحقيق السلام بعيدا عن الاجندة الايرانية التي تحظى بمعارضة عالمية وليس فقط عربية. فلماذا علينا التحالف وقبول دور التابع مع دولة منبوذة في العالم، ندرك سلفا عجزها عن الدفاع عن سورية أو غيرها عند ساعة الجد؟!

والخلاصة، ان غياب الشريك الاسرائيلي يجب ألا يقود الى التقاعس والانجرار الى خندق المتشددين، بل كان يجب أن يشكل محفزا لبناء تحالف عربي للسلام، والقيام بهجوم ديبلوماسي وسياسي على المستوى الدولي. عندها فقط تنفضح لعبة إسرائيل القائمة على التهرب من ميدان العملية السلمية، والتي تحاول احداث paradigm shift  فيما يتعلق بمصدر الخطر في الاقليم، وذلك لخلق تحالف عربي اسرائيلي، من دون الانتباه الى احتلالات اسرائيل للاراضي العربية.

hassan.barari@alghad.jo

التعليق