هل ينفّذ الأميركيون القرار الإيراني بإعدام صدّام وبرزان؟

تم نشره في السبت 30 كانون الأول / ديسمبر 2006. 03:00 صباحاً

 

في وقت يصرّ مسؤولون عراقيون على تنفيذ حكم الإعدام في حقّ الرئيس السابق صدّام حسين، لا مفرّ من التذكير بأن القضية ليست قضية إعدام الرجل، بمقدار ما انها قضيّة مصير العراق؛ البلد العربي سابقاً، والمهدد بالتفتت والتقسيم. وربّما الأهمّ من ذلك كلّه المطلوب من خلال تنفيذ الحكم، تأكيد من صاحب النفوذ الأكبر على الأراضي العراقية، أو على الأصحّ من الذي يتحكّم بالقرار العراقي بالفعل، وليس بمجرّد الكلام؟

لو لم يكن الأمر كذلك، لما كان صدر حكم بإعدام صدّام في هذه الفترة بالذات بسبب قضية الدجيل التي تعود إلى العام 1982، في أثناء الحرب العراقية-الإيرانية وليس لسبب آخر. فهل المطلوب اعدام صدّام بسبب قضيّة الدجيل لأن حزب "الدعوة"، الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء نوري المالكي، معني مباشرة بالقضية؛ وهي قضيّة مرتبطة في جانب أساسي منها بالحرب مع إيران؟ هل مطلوب إعدام صدّام بسبب هذه القضيّة، لأنَ إدانة الرئيس العراقي السابق ستجرّ إلى إدانة أخيه برزان، المطلوب أيضاً إعدامه من قبل حزب "الدعوة"؟

تبدو القضيّة مكشوفة. إذ لدى حزب "الدعوة" حقد شخصي على صدّام وبرزان الذي كان مديراً للمخابرات حتى أواخر العام 1983، قبل أن يدخل في خلاف مع أخيه لا مجال للخوض في تفاصيله، باستثناء أن في أساسه زواج حسين كامل حسن المجيد من رغد، ابنة صدّام، واعتراض برزان وشقيقيه سبعاوي وطبان على الزواج.

في الواقع، ليس في الإمكان الوصول إلى اعدام برزان من دون العودة إلى قضيّة الدجيل، فما الذي حصل في الدجيل؟ حصل أنّ صدام حسين تعرّض، حين كان لا يزال رئيساً، في أثناء زيارته لتلك البلدة الشيعية في تمّوز 1982 لمحاولة اغتيال. وكعادته، ردّ صدّام على المحاولة بأنّ اعدم عدداً لا بأس به من سكان الدجيل. لم يفرّق بين الأبرياء وبين المتورطين في المحاولة (ولم يفرّق صدّام يوماً بين مذنب وبريء)، فبالنسبة إليه كان مطلوباً التخلص من أيّ مشكوك في أمره، بغض النظر عمّا اذا كان معه أو ضدّه.

لا مجال للشكّ عند شخص مثل صدّام لا يعرف شيئاً عن العالم وعن كيفية التعاطي مع العالم، ولو كان يعرف شيئاً عن ذلك لما كان اتخّذ القرار القاضي بدخول حرب مع إيران في العام 1980، ردّاً على استفزازات ايرانية واضحة، تندرج في إطار السعي إلى تصدير الثورة الخمينية إلى العراق. كذلك، لو كان لدى صدّام الحنكة والوفاء للعرب والعروبة، والتضامن مع الأخ العربي، لما كان أقدم على ارتكاب جريمة احتلال الكويت التي أوصلته إلى حيث وصل الآن.

هناك مائة قضيّة اخرى يستأهل صدّام الإعدام بسببها، لكن حزب "الدعوة"، ومن خلفه النظام الإيراني، اختارا قضيّة الدجيل من منطلق أن برزان نفّذ ما أمره به أخوه بصفة كونه مديراً لجهاز المخابرات في حينه. وقتذاك، صار حزب "الدعوة" محظوراً، وبات كلّ من ينتمي إليه، أو يشتبه بالانتماء إليه، مهدّداً بالتصفية. ثمة حساب قديم لا بدّ من تصفيته مع صدّام وبرزان معاً، لا أكثر ولا أقلّ.

ما يفترض أن يحاكم عليه صدّام في الأساس هو أنّه لم يعرف يوماً الحدود بين السياسة والمغامرة. بالنسبة إليه، كانت السياسة مغامرة، بل مقامرة. اعتقد باستمرار أن المقامرة سياسة والسياسة مقامرة. وفي أساس اللعبة التي مارسها صدّام، أنّه قادر على الذهاب إلى النهاية في المحافظة على النظام العائلي-البعثي الذي أقامه معتمداً المقامرة، وذلك منذ أقدم حزب البعث على تأميم النفط في العراق في العام 1972، في عهد أحمد حسن البكر، معتقداً أن كلّ شيء بات مسموحاً له ما دام في الإمكان تأميم النفط من دون ردّ فعل دولي.

نجحت المقامرة مرّة، بل مرّات، لكنّه لم يكن مكتوباً لها أن تنجح في كلّ مرّة. كان احتلال الكويت نهاية صدّام. وبعد ارتكابه تلك الجريمة الفظيعة، انتهت اللعبة، وفُتحت كل ملفّات الماضي، بما في ذلك تلك التي كان الأميركيون يساهمون في تغطيتها. وبين هذه الملفات كان ملف الدجيل.

لماذا الدجيل وليس الأنفال؟ لماذا الدجيل وليس قبل ذلك إعدام الرفاق البعثيين الذين كانت هناك شكوك في ولائهم في العام 1979، عندما تولّى صدّام الرئاسة خلفاً لأحمد حسن البكر؟ لماذ الدجيل وليس "المقابر الجماعية" والمجازر المرتكبة في حقّ الأكراد؟ الجواب بكلّ بساطة أن المطلوب إعدام صدّام في قضية لها علاقة بإيران والحرب على إيران وبحزب "الدعوة" بالذات.

نعم، من حق إيران الانتقام، لكن هل على الأميركيين تنفيذ ما تطلبه إيران منهم؟

يبدو أن الأميركيين ينفّذون المطالب الإيرانية من حيث يدرون أو لا يدرون. هناك منتصر وحيد من حرب أميركا على العراق، هذا المنتصر هو إيران. لولا الانتصار الأميركي في الحرب الأميركية على العراق، لما كان في استطاعة النظام الإيراني لعب الدور الذي يلعبه حالياً، خصوصاً في لبنان، إذ تحوّل بفضل أداته المسمّاة "حزب الله"، وكأنّ لله عزّ وجلّ حزباً، السعي إلى خطف لبنان وتعطيل الحياة فيه. يفعل النظام الإيراني ذلك من أجل تأكيد أنّه اللاعب الأول في ما يعتبره "الساحة اللبنانية" من جهة، ومن أجل الدفاع عن النظام السوري الذي صار تحت رحمته، بل تابعاً له، من جهة أخرى.

مرّة أخرى، الموضوع ليس موضوع إعدام صدّام بمقدار ما أنّه موضوع تنفيذ أميركي لحكم أصدرته ايران بإعدام صدّام وأخيه برزان اللذين لحزب "الدعوة" حساب يودّ تصفيته معهما. هل تنفّذ الإدارة الأميركية ما تريده إيران منها؟ ثمة من يعتقد أن لا حدود للغباء الأميركي، بدليل أن الدولة العظمى الوحيدة في العالم تدخل حرباً وتحتلّ دولة مهمة، بل الدولة الأهمّ، في الشرق الأوسط من دون أن تكون لديها خطّة واضحة لمرحلة ما بعد الاحتلال. ويبدو أن الأميركيين مقبلون على خطأ جديد في العراق، في حجم خطأ القرار بحلّ الجيش العراقي الذي يبدون ندمهم عليه الآن.

ماذا ينفع الندم متى كان ممنوعاً على الإدارة الأميركية التعلّم من أخطاء الماضي القريب، والاعتراف بأنّ حرب العراق غيّرت خريطة الشرق الأوسط؟ لكن هذه الحرب لم تغيّر الخريطة لمصلحة الولايات المتّحدة. تغيّرت الخريطة لمصلحة إيران، ولا أحد آخر غير إيران. وإعدام صدّام وبرزان، بصفة كون الأول أحد الذين قاوموا ويمكن أن يقاوموا النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة، خطأ جديد يمكن أن يرتكبه الأميركيون.

هل يعود الأميركيون عن الخطأ قبل فوات الأوان، أم أن المطلوب منهم الاستمرار في نهج لا يصبّ سوى في مصلحة الإيرانيين، ثم التساؤل لماذا ذلك الإصرار الإيراني على متابعة سياسة تحدي المجتمع الدولي؟ من الواضح أن هناك إصراراً أميركياً على التمسّك بالغباء ما دام المطلوب إعدام صدّام وأخيه برزان في قضيّة الدجيل، لا لشيء سوى لأن ايران تريد ذلك. إيران كانت وراء محاولة الاغتيال التي تعرّض لها الرئيس العراقي السابق في الدجيل، وإيران تنفّذ حالياً ما لم تستطع تحقيقه في العام 1982. هذه المرة، يحلّ الأميركيون مكان منفذي محاولة الاغتيال من أبناء الدجيل قبل ربع قرن.

من قال إن النظام الإيراني ليس قادراً على الانتقام مهما طال الزمن؟ تلك هي الرسالة التي يريد النظام الإيراني إيصالها إلى العراقيين. فحوى الرسالة أن في استطاعتهم الانتقام مهما طال الزمن. يستطيعون ذلك بواسطة أدواتهم، كما يستطيعون ذلك بواسطة أعدائهم المفترضين. من قال إنّهم غير قادرين على استخدام "أعدائهم" -هذا إذا كانوا بالفعل أعداءهم- أفضل استخدام؟!

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هل مات صدام شهيدا؟ (أبو أحمد)

    الثلاثاء 2 كانون الثاني / يناير 2007.
    لماذا يعتبر صدام شهيدا ؟ ....أليس صدام هو الذي قتل ابن خاله عدنان خيرالله في يوم عيد الأضحى ؟ .....اليس صدام هو من قتل 5000 كردي في يوم عيد الأضحى المبارك وهم أبناء شعبه ؟ .....أليس صدام من قتل العديد من العراقيين في العيدين دون تسليم جثثهم لذويهم ، بل ومطالبتهم بدفع قيمة الرصاصات التي قتل بها ؟ .....اليس صدام من قتل اكثر من مائه وثمانون ألف كردي بالسلاح الكيماوي اكثرهم من الاطفال والنساء ؟ .....اليس صدام من قتل علماء السنه ( عارف البصري وعبدالعزيز البدري) ؟ .....أليس صدام من قتل علماء الشيعه من ال الصدر وال الحكيم وال بحر العلوم .........الخ ؟ ......اليس صدام هو الذي قتل أبناء عمه صدام كامل وحسين كامل ؟ ......أليس صدام هو السبب في شق الصف العربي بغزوه الجائر والظالم للكويت؟......فهل يمكن اعتبار مجرم بهذا السجل الاجرامي الحافل والملىء بالجرائم البشعه شهيدا ؟......هل نملك فكرا سليما وصحيحا عندما نعتبر من قام بهذه الافعال الاجراميه شهيدا ؟ .....ألا يعني ذلك هدما لمقام الشهاده والشهداء ؟.....عندما نصف صدام بالشهيد فاننا نهدر دماء الشهداء الذين قتلهم صدام
  • »عشرة على عشرة (hussein)

    الاثنين 1 كانون الثاني / يناير 2007.
    الصحيح ان ماكتبته يااستاذي,سليم من وجهة نظر الملايين من المسلمين و اعني بالمسلمين السنه فقط, لان الشيعة لا دخل لهم بالاسلام اطلاقالافكريا ولاعقائديا,وانا اخشى من ان القناع الايراني في التزييف سيبقى طويلا و الحمد لله ان الكثير منا يعلم حق المعرفة الاهداف الايرانيةالخسيسة في المنطقة...على كل حال رحم الله الرجل العربي المسلم ابو عدي.والي جنات الخلد ان شاء الله وحسبي اله ونعم الوكيل.
  • »ما دخل حزب الله بالموضوع؟ (عقيل علي)

    السبت 30 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    الظاهر أن حزب الله قد اصبح كابوسا يهدد كل من يتعاطف مع حزب المستقبل "اللبناني". صدام أرتكب جرائم كبرى وهذا شرف كبير لإيران أن يكون عدوها التاريخي سفاك دماء ومنتهك للحرمات لأنه في مثل هذه الحالة من الصعب بمكان إستخدام الحالة الصدامية في مقاربة الواقع الإيراني. أنصح الأخ الكاتب المرتبك أن لا يعادي الشيعة أو إيران لأنه كل من عاداهم سقط مثل سقوط صدام والتاريخ يشهد والأمثلة كثيرة.